د. عمـر قلعي (باحث في الثقافة والأدب) 

في البدء:

نظمت جمعية ابن خلدون للأبحاث والدراسات في العلوم الإنسانية والاجتماعية وحماية المآثر التاريخية والبيئة بدبدو، وجمعية القصبة للتنمية والتعاون الاجتماعي، بدعم من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وبتعاون مع المجلس الجماعي لدبدو، ندوة علمية بعنوان:" القصبة: وظائفها، وتطوراتها المعمارية، وواقع الحال وسبل الحماية". وقد جاءت هذه الندوة في سياق الاحتفال باليوم العالمي للتراث، وتحت شعار "إعادة الاعتبار لقصبة دبدو ضرورة ملحة".

جرت أشغال هذه الندوة يوم الأحد 23 أبريل2017 بفضاء قصبة دبدو وفق برنامج تراثي وعلمي زاخر، امتدت أطواره إلى حدود الخامسة زوالا، واستمتع فيه المشاركون والمهتمون بفيض معرفي وثقافي ممتع، وبحفاوة واستقبال مشهودين لقبيلة عرف أهلها بالجود والكرم عبر تاريخ القصبة المرينية.

                            

القصبة المرينية بدبدو:

القصبــة بناء محصن تحيط به أسوار من جميع الجهات، وتتخلله أبواب محصنة بوسائل دفاعية، وفي أركانه أو على طول أسواره أبراج للمراقبة. وقد عُرفت القصبة في شمال إفريقيا وفي شبه الجزيرة الأيبيرية، إذ تعرف لدى البرتغاليين بـ "الكسوفا" (Alcaçova) وعند الإسبانيين بـ "ألكزاب"  (Alcazaba)، كما أن الفهارس الفرنسية تدرج كلمة القصبة في تعريفاتها بـ(Casbah)، وتعني مدينة محصنة بكل وسائل الدفاع والمقاومة، إذ يختار لها موقع استراتيجي لتسهيل عملية التزود بالتموين خلال الحصار، وغالبا ما تكون فوق ربوة وبالقرب من موارد المياه، وبالتالي تخضع لمفهوم الموقع من وجهة خاصة.

يعود تأسيس قصبة دبدو، حسب ما ذكرته مصادر التاريخ الوسيط، إلى العهد المريني، وقد آل حكمها إلى قبيلة زناتية تدعى "بنو ورتاجن"، في بداية القرن السابع الهجري. كانت وظيفتها الأولى عسكرية دفاعية، يرجى منها صد هجومات بني عبد الواد التلمسانيين، لكنها أصبحت تلعب، فيما بعد، دورا اقتصاديا حين صارت ممرا تجاريا مهما بين فاس وتلمسان، وفاس وسجلماسة، وقد ذكرت الكتابات الأجنبية أهميتها الاقصادية التي بوأتها رتبا جد متقدمة من حيث مساهماتها في الاقتصاد الوطني، خصوصا بعد أن وفد إليها اليهود القادمون من الأندلس عقب الطرد المسيحي المشهور أواخر القرن الخامس عشر الميلادي.

تتخذ القصبة المرينية بدبدو، كما ذكر إسماعيلي مولاي عبد الحميد العلوي، شكلا مربعا غير متساوي الأضلاع، وقد كان يحيط بها سور مرتفع، يصل ارتفاعه إلى ثمانية أمتار، إضافة إلى تحصينات أمامية تعزز الواجهة الشرقية المطلة على الوادي المفضي إلى الأحياء الأخرى. كان للقصبة ثمانية أبراج لم يبق منها إلا ستة، وكانت أبراج الزوايا تحمل أسماء، نعرف منها: برج الحبس، برج المقبرة، برج الشافة، برج بركون، برج ارفيفة. وكان لها بابان رئيسيان هما: باب تافرنت غربا، وباب تنزلفت شرقا. وجدير بالذكر أن القصبة المرينية كانت قصبة ذات مناعة وجلال، فقد أبدع أهلها والقائمون على أمرها في حفر خندق، على امتداد واجهتها الغربية، عرضه عشرة أمتار وعمقه عشرون مترا، استعمل ترابه في بناء أسوارها التي تذكر الروايات أنه كله، أو جزء منه، بني بمهر فاطمة بنت عبد الحق المريني.

جدير بالذكر أن قصبة بني مرين أصبحت اليوم أكثر حاجة الى العناية والاهتمام لتلعب أدوارها الطلائعية التي تنتظر منها لتنمية الاقتصاد المحلي والوطني، وأقصد بهذا إمكانية توظيف التاريخ والتراث المحليين في خدمة السياحة وتنمية المنطقة، وهو أمر موكول إلى ذوي الشأن والاختصاص، كما ورد في توصيات الجمعيتين المذكورتين، كما هو أمر إعادة الاعتبار لهذه المعلمة ومعالم أخرى طالها النسيان، وأوشكت على الانتهاء.

أشغال الندوة:

انطلقت أشغال الندوة بالقصبة المرينية يوم الأحد 23أبريل2017 ، على الساعة العاشرة صباحا، وفق البرنامج التالي:

الجلسة الافتتاحية:

افتتحت هذه الجلسة بآيات بينات من الذكر الحكيم، وبكلمة ترحيبية بالضيوف المشاركين والوافدين من المهتمين بالشأن المحلي، وقد تلتها كلمات مركزة ودالة قدمها كل من:

-رئيس جمعية ابن خلدون للأبحاث والدراسات في العلوم الإنسانية والاجتماعية وحماية المآثر التاريخية والبيئة بدبدو، الدكتور ادخيسي نور الدين.

- رئيس جمعية القصبة للتنمية والتعاون الاجتماعي، الفاعل الجمعوي جمال امحمدي.

- ممثل المجلس الجماعي لدبدو، السيد عبد المجيد بوقراعي.   

الجلسات العلمية:

توزعت أشغال الندوة على جلستين علميتين ضمتا مداخلات علمية رصينة أطرها باحثون في التاريخ والمعمار والقانون، وسيرها الدكتور عمر قلعي.

الجلسة العلمية الأولى : الجانب التاريخي

تناولت هذه الجلسة أربع مداخلات علمية استعرضت ملامح من تاريخ القصبة، ودورها الاستراتيجي في العصر المريني، وأهميتها من خلال الكتابات الأجنبية، فضلا عن أهمية قصبة تاوريرت. وقد جاءت المداخلات كما يلي:

- د: مصطفى النشاط(أستاذ التاريخ الوسيط، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الأول، وجدة) : "الأهمية الاستراتيجية لقصبة دبدو خلال العصر المريني" .

- د: محمد حماس(أستاذ باحث في التاريخ الحديث والمعاصر، أكاديمية التربية الوطنية، وجدة) :"ملامح من تاريخ قصبة تاوريرت" .

- ذ: سمير بن الطالب (باحث في الدكتوراه) : "ملامح من تاريخ قصبة دبدو" .

د: نور الدين ادخيسي(باحث في التاريخ الحديث، رئيس جمعية ابن خلدون) : "قصبة دبدو من خلال بعض الكتابات الأجنبية" .

                                            

 

الجلسة العلمية الثانية : المعمار، والتشريع، وواقع الحال :

وشملت هذه الجلسة مداخلات علمية مختلفة ومتنوعة قاربت الجانب المعماري، والجانب التشريعي، وواقع حال القصبة المرينية، وقد جاءت وفق ما يلي:

أ - الجانب المعماري:

- د: عبد العزيز بلبكري (أستاذ باحث في التاريخ الحديث والمعاصر، أكاديمية الرباط سلا القنيطرة) :

"قصبة دبدو وقصبة مسكي: عناصر التشابه والاختلاف" .

ب - الجانب التشريعي:

د: محمد أمزيان(رئيس مركز الدراسات القانونية والاجتماعية) : "حماية التراث العمراني من خلال قوانين التعمير والبناء" .

ج - تشخيص واقع الحال:

ذ: رشيد بوغالب (باحث وفاعل جمعوي) : "واقع الحال بالقصبة المرينية بدبدو" .

الجلسة الختامية:

وهي جلسة أكد فيها رئيسا الجمعيتين على أهمية هذه الندوة العلمية، وعلى ضرورة إعادة الاعتبار للقصبة المرينية بدبدو كتراث تاريخي وعمراني وحضاري مشترك، كما دعا المشاركون إلى تدخل كل الجهات المسؤولة لحماية هذا التراث، وتوظيفه في خدمة التنمية المحلية، وفق ما جاء في توصيات هذه الندوة، ومنها:

- ضرورة تدخل الجهات المعنية(قطاعات حكومية وهيئات وطنية ودولية ومؤسسات المجتمع  المدني) لإعادة ترميم أو صيانة ما يلزم ترميمه أصيانته بالقصبة المرينية وباقي المعالم الأثرية بدبدو.

- تشجيع البحث العلمي للاشتغال على قصبة دبدو في مجالات التاريخ والمعمار والأنتروبولوجيا...

- توظيف التراث المحلي(والقصبة عموده الأول) في تنمية السياحة المحلية والوطنية والدولية، عن  طريق توفير بنيات الاستقبال، والمرافق العمومية.

- ضرورة إعادة النظر في القوانين والتشريعات المتعلقة بحماية المآثر التاريخية.

تقديم المساعدة المادية واللوجيستيكية والمعرفية لسكان القصبة للقيام بمشاريع مدرة للدخل اعتمادا على الإرث الحضاري للقصبة.

وقد رفع المشاركون والمهتمون وعموم الحاضرين، في نهاية اللقاء العلمي، برقية ولاء وإخلاص الى صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله.

كلمة شكر:

شكلت ندوة القصبة أول حلقة علمية تهتم بتاريخ وتراث هذه المعلمة الوطنية، وقد حققت نجاحا علميا ملحوظا سيظل راسخا في ذاكرة أهلها، والحقيقة أن هذا النجاح تأتى بتظافر جهود أطراف نرى، من باب رد الجميل لأهله، أن نشكر جهد أصحابها وغيرتهم على هذا الكنز، وهم:

سكان القصبة المرينية، الذين أحسنوا الاستقبال والضيافة، ولم يذخروا جهدا، ماديا أو اجتماعيا، في سبيل إنجاح الندوة العلمية.

- جمعية ابن خلدون للأبحاث والدراسات في العلوم الإنسانية والاجتماعية وحماية المآثر التاريخية  والبيئة بدبدو، وجمعية القصبة للتنمية والتعاون الاجتماعي، اللتان سهرتا على إنجاز أشغال الندوة، ومعرض الصور والوثائق التاريخية لقصبة دبدو.

- المجلس الجماعي لدبدو، وممثلو المديرية الجهوية للثقافة والاتصال لجهة الشرق، وجمعيات  المجتمع المدني، الذين دعموا المبادرة، وعبروا عن مواقفهم الايجابية، وأكدوا الاستعداد على تقديم الممكن.

- الإعلام ممثلا في الصحفي المقتدر: عبد القادر بوراص، الذي يتابع عن قرب كل الندوات العلمية  التي تؤرخ لمدينة دبدو، ويساهم في توثيق جزء هام من تاريخها عبر جريدة الحدث الشرقي، وجريدة تاوريرت بلوس الإلكترونية، وهو يمارس كل ذلك باحترافية وحب لذاكرة المكان.