تقع مدغرة بتافيلالت التي تمثل جزءا من المجال الواحي المغربي جنوب شرق البلاد. وقد تشكلت الشخصية الحضارية لمقاطعة مدغرة، كما يسميها الحسن الوزان في كتابه "وصف إفريقيا"، منذ زمن بعيد، تمازجت فيها عناصر بشرية متعددة، حاولت (تطويع) الظروف الطبيعية والتكيف مع تقلباتها المستمرة، يقول الوزان في التعريف بمدغرة:

« مضغرة دائرة أخرى تتاخم السابقة – الرتب – في اتجاه الجنوب خارج المضيق، تحتوي على قصور عديدة تقع كذلك على واد زيز، وأهمها القصر المسمى هلال. وفيه يقيم أمير الدائرة، وهو عربي، وله فخذ من قبيلته يعيش في البادية في الخيام، وآخر كذلك بالقصر مع الجنود. لا يستطيع أحد أن يخترق إقليمه دون إذنه الصريح فإذا لقي هؤلاء الجنود قافلة بدون رخصة مرور نهبوها فورا وجردوا التجار والرائدين. وهناك أيضا قصور ومداشر أخرى كما شهدت ذلك بنفسيلكنها كلها بائسة»( وصف إفريقيا، دار الغرب الإسلامي بيروت لبنان، ط2/ 1983، 2/123).

وتعتبر الفترة الممتدة بين القرنين 11هـ/ 17م و 13هـ/19م فترة ازدهار واحة مدغرة من الناحية العلمية والعمرانية والإجتماعية حيث برزت خلالها شخصيات عرفت بمدغرة وعرفت مدغرة بها، وأسهمت في بث العلم بين قصورها وقصباتها، بل صارت مقصدا للطلبة الآفاقيين من سوس ومناطق أخرى، وتكفي الإشارة هنا إلى شخصية سيدي عبد الله بن عمرو المضغري، دفين قصر سيدي أبو عبد الله مدغرة، الذي عاصر بداية السعديين، وكان له دور في ميلاد الدولة، والحافظ الضابط الثقة أبو محمد عبد الله بن علي بن طاهر الحسني السجلماسي الذي عاصر بداية ميلاد الإمارة العلوية بتافيلالت.

وقد برز في مدغرة علماء كثر، مزج بعضهم بين العلم والصلاح، نذكر منهم، على سبيل المثال لا الحصر، أبو محمد عبد الله بن علي بن طاهر وابنه عبد الهادي دفين المدينة المنورة( ت1056هـ)، وأبو بكر بن الحسن التطافي أستاذ الحسن اليوسي (ت 1102هـ)، والأستاذ المقرئ عبد السلام بن محمد التزناقتي صاحب ألفية "تكميل المنافع في الطرق العشر" ومنظومة "روض الزهر في قراءة نافع"، والنسابة المؤرخ محمد الزكي بن هاشم العلوي المسعودي، والفقيه الشاعر محمد العربي الحيبوسي مداح النبي، وبلديه الفقيه النوازلي عبد الرحمن بن الحسن الحيبوسي، والشاعر التهامي المسعودي المدغري، والفقيه القاضي امحمد بن عبد الرحمان القصر الجديدي أصلا، والعلامة الحسن بن المبارك القصر الدخلاني، والفقيه أحمد بن الحبيب البوناجي....ولم يخل قصر من قصور وقصبات مدغرة من مكتبة عامرة ذكرتها الكتب، وإن لم  يبق منها الآن غير الإسم، مثل مكتبة آل ابن طاهر ومكتبة آل الحجرتي ومكتبة الحيبوس، على مشارف البقيع الصغير، كما وصفت الرحلات المغربية الداخلية جوانب أخرى منها كالرحلة الحجازية لأبي سالم العياشي التي ذكرت زاوية مولاي بن علي وأشادت بها.

وخلال القرن 20م، كان خضوع المغرب للحماية الفرنسية عام 1912م مما أحدث تحولات عميقة مست مجالات سياسية وإدارية واجتماعية واقتصادية وعمرانية لم تكن مدغرة، ومحيطها قصر السوق، بمعزل عنها، منذ معركة مسكي عام 1916م، التي شكلت فترة بداية التدخل الاستعماري في حوض زيز الأوسط والأسفل الشيء الذي أفرز حركة مقاومة محلية وجهوية، ظهرت بوادرها منذ أواخر القرن 19م بزعامة محمد العربي الدرقاوي المدغري(ت1309هـ/1892م) الذي ربطته علاقات مختلفة مع الحضور المخزني خاصة في ظل إشكالية الحدود المغربية الشرقية، مهدت لها فرنسا بسلسلة بعثات استخباراتية.

وقد نشطت حركة سياسية محلية بمدغرة ومحيطها اشتغلت في خلايا التنظيمات الوطنية مثل "منظمة الأطلس والصحراء"، وتزعم وطنيون آخرون العمل الوطني من خلال حركة تأسيس المدارس، كان بعض سكان مدغرة روادا لها، ونموذج ذلك المجموعة المعروفة باسم "أصحاب المدرسة" الذين يرجع إليهم الفضل في تأسيس "المدرسة الإسلامية"(مدرسة التطبيقية لاحقا) عام 1947م حيث كانوا على اتصال مستمر مع الشيخ محمد بن العربي العلوي، بفاس والرباط، منذ أن كانت المدرسة فكرة إلى أن صارت واقعا، فكان المدغريون بذلك عنصرا فاعلا، بشكل كبير، في التحولات المجالية والسوسيو اقتصادية والثقافية التي عرفتها مدينة قصر السوق.