في إطار النسخة الثانية من المهرجان الوطني الجامعي للثقافة الذي تحتضنه مدينة الرباط، تحت شعار: "إنفتاح وإبداع"، ما بين 03 و05 ماي 2017، يشارك طلبة الماستر المتخصص في المسرح وفنون الفرجة التابع للكلية المتعددة التخصصات بالرشيدية، جامعة مولاي إسماعيل،  بمسرحية "عودة غودو"، بعد تأهلهم إلى الاقصائيات النهائية.

وقد استوحى مؤلف ومخرج المسرحية الطالب إسماعيل فارس أجواء وفلسفة العبث التي تدور فيها أحداث مسرحية "في انتظار غودو" الدائعة الصيت  لصامويل بيكيت، غير أنه كتب نصا مغايرا، يعالج بؤس مجموعة من الشخصيات التي ولدت مكرهة بغير إرادتها، لتعيش وسط القمامة، تحت خط الفقر، باحثة بيأس عما تسد به رمقها. وينشأ بينها صراع مرير حول الانقضاض عن كل ما من شأنه زرع الروح في أجسادها النخرة. وبين الفينة والأخرى يدور بينها حوار متقطع غير مبني على أي أساس منطقي، مسربل بكل مفردات الضياع، والتيه، والجنون، والعزلة، والفردانية...

كما أن سينوغرافيا العرض تشي هي الأخرى بالحرمان، والبؤس والضياع،  وتتماهى في كل لغاتها السميولوجية المرئية مع عوالم العبث واللامعقول، بما في ذلك الديكور-كل أصناف القمامة- والأكسسوارات، والإنارة، والموسيقى، والمؤثرات الصوتية...علاوة على لعب الممثلين المرتكز على اللغتين الجسدية والكلامية، وإقحام مجموعة من الأغاني والرقصات التعبيرية التي تنوب في اتساقها ومدلولاتها عما تعجز عنه اللغة الكلامية. وهذا يدل على وعي المؤلف/المخرج بقيمة العرض الشامل الذي يوظف كل اللغات المرئية والمسموعة على خشبة المسرح، لصناعة عرض مسرحي متكامل ومتناغم، يتوجه بخطاب قوي ومركز إلى كل حواس المتلقي، ويجعله يتفاعل مع كل مكوناته.

وإذا كان النص المسرحي مجرد ذريعة لبلوغ العرض، وحيث إن المؤلف كتب نصه المسرحي بعين المخرج العارف بكل خبايا الخشبة وتفاصيلها التقنية الدقيقة، فقد تمكن بفضل خلفيته الأكاديمة من المزاوجة بين أدبية النص وجماليات العرض، مقدما عملا متكاملا، ينضح بخطابات وإرساليات شتى، تروم بالأساس تفجير حزمة من الأسئلة الجريئة  والمقلقة التي تنتظر إجابات. وإذا كان صامويل بيكيت قد جعل شخصيتيه تنتظران بلا جدوى، فإن إسماعيل فارس أبى إلا أن يفتح نافذة للأمل عبر "عودة غودو" التي من شأنها رمي حجرة في البركة الآسنة للأزمة، وزرع بصيص من التفاؤل بالمستقبل، وفتح كواة وثقوب في جدار الواقع المر الذي صار المجتمع العربي والإنساني يكتوي بلظاه.

إن عودة غودو هي صرخة قوية ومرافعة عن حق كل البؤساء، والفقراء والمظلومين في الأمل، والخلاص من شرنقة الواقع المر الذي يشربون من كأسه في كل لحظة وحين، ودعوة صريحة للتخلص من أصفاد اليأس ومثبطاته، وكوابحه، ورسم معالم وقسمات مستقبل قد يكون أقل وطأ، وسديمية مما تعيش على إيقاعه الإنسانية. فهل من مستجيب؟

د. سعيد كريمي