الصادق النيهوم

 

ثمة مائة و خمسون مليون مدينة في العالم و عدد لا يحصى من الناس .. مخلوقات معقدة على كل لون تتعلق بأمنا الارض و تمتص غذاءها من التراب .. و كل مخلوق منها يعيش في عالم وحده , مشيدا قوقعته حوله بأحجار الفلسفة الصلدة التي لا يمكن قهرها , مغلقا منافذه , مستعدا للدفاع عن كل حجر في عالمه الى اخر لحظة .. فاذا احس بالخطر يهدد قلعته , يقف شعر رأسه من الغضب و يشرع اسنانه ثم يبدأ بالهجوم مباشرة بكل ما لديه .. الى اخر لحظة ! لذا شنق الانبياء بحبال الليف .. و وضع ابراهيم في النار, و هدمت مدين اخناتون فوق رأسه , و ارغم سقراط على ان يشرب نخب الفلسفة ممزوجا بالسم الحاد . انه لا يملك شيئا سواه , و لا يستطيع ان يتنازل عن حجر واحد منها , الا اذا بذل جهدا خارقا بالغ الضخامة .. الا اذا احدث في رأسه ثقبا ليدخل الهواء .. و منذ بضعة آلاف سنة كان سكان العالم مجرد قطعان صغيرة مقرورة , تهيم عبر براري الشرق , باحثة عن شيء تأكله , مواصلة هروبها امام باقي الحيوانات , جائعة بلا انقطاع .. و كان عددهم إذ ذاك مثل عدد بوينس آيرس الآن .. ثمان ملايين فقط , ثم اخرج احدهم المحراث .. فيما اكتشفت احدى النساء انها تستطيع ان تركب فوق ظهر حيوان اسمه – الحمار – دون ان يعضها .. و احضرته معها الى الكهف .. و عندما اجتمع المحراث و الحمار زرع اول حقل قمح في العالم , و انتهى عصر المجاعة الذي دام اكثر من ثمانين مليون عام .. ثم بنيت بابل , و طوقت بثلاثة اسوار حجرية للدفاع عنها ضد الرعاة الجائعين على طول نهر الفرات . و كان الانسان قد بدأ يتعلم بناء قلعته الخاصة في رأسه , كان قد شرع يمارس الفلسفة .. و تم اختراع اول أداة حديدية للقتل .. و فتح البابليون اسوار مدينتهم و انطلقوا لفتح رؤوس الرعاة , و إحداث ثقوب فيها لكي يدخل اليها الضوء و الفلسفة و حب الرب عشتار .. و منذ ذلك اليوم ارتبطت الحرب بالفلسفة , و اخذت المدن على عاتقها مهمة نقل الحضارة الى الرعاة , و اقتحام رؤوسهم بالقوة .. فيما تعهد الرعاة بمهاجمة المدن و تدميرها كلما سنحت لهم الفرصة .. و هكذا تم صنع الانسان ..و كانت بابل التي قامت بهذه المهمة مجرد مدينة صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها سكان الطابقين الخامس و السادس من عمارة الامباير ستيت .. أي حوالي ثلاثين الف نسمة .. و لكنها كانت اكبر مدينة في العالم إذ ذاك .. و بدأت لعبة الحرب .. و شن الرعاة اليهود اول هجوم انتقامي على جير وشيا و دمروها عن آخرها فيما وقف النبي يوش يعيا ليلعن كل من يضع حجرا في المدينة العاهرة .. ثم تكفلت بابل بعقاب اليهود و احرقت مدينتهم اورشليم و هيكل سليمان معا , وباعت عشرة آلاف فتاة يهودية في اسواق القراصنة المزدحمة على طول الساحل بين فينيقيا و اسبانيا و في المرة التالية جاء الهجوم من أشور .. و تبادلت مدينتا ننيف و بابل عمليات القتل الجماعية , و كانت كل مدينة منهما تقوم على احجار الاخرى , فلم يكن العالم يملك ما يكفي من الاحجار لبناء مدينتين في وقت واحد ! ثم اشترك باقي الفاتحين في المهرجان , و غرس رمسيس رمحه على حدود سوريا الشمالية , معلنا عزمه على الوصول الى آخر الارض فيما- قرر دارا – الفارسي ان يسرق منه ذلك الحلم . و بعد مائتي عام اخر تمكن شاب مقدوني اسمه اسكندر الاكبر من الوصول الى آخر الارض و كانت طروادة قد هدمت للمرة السابعة .. و اصبح في وسع اسطول اثينا ان يبحر على طول ساحل اسيا دون ان يضطر لدفع رسوم لاحد .. و بنى بركليس اثينا مرة اخرى بعد ان هدمها الفرس فوق رأس زيوس .. و فيما كان الديمقراطيون النبلاء يحتفلون بدفن العداء – ماراثون – الذي حمل انباء الانتصار على الفرس , كانت احدى القابلات تستقبل طفلا عجيبا اسمه سقراط .. و تلفه داخل حزمة من الصوف الاحمر لكي ينشأ محاربا قويا .. و لكن سقراط كان فيلسوفا و كانت مهمته القادمة ان يحاول اقتحام رؤوس الاخرين و هي مهمة اكثر قسوة من اقتحام اسوار المدن , فليس ثمة سبيل الى قلعة الانسان داخل رأسه .. انها مغلقة بأحكام مذهل , و محاطة بالأسلاك الشائكة و الحراس الذين لا يمكن رشوتهم بأي حال .. و هي قلعة فظيعة الصلابة مثل عظم السلحفاة نفسه .. و قرر سقراط ان يبدأ النطاح مفتوح العينين .. و دامت المعركة ثلاثين عاما كاملا, ثم هزم الفيلسوف , و حمل الى غرفة معتمة حيث قدم له القاضي كأسا فضية من السم و طلب منه ان يشرب نخب انتصار القلاع . ثم جاء افلاطون ليحلم بالعالم بدون قلاع .. فيما قرر ارسطو ان يرافق الاسكندر الفاتح و يفتح رأسه .. و لكن بدون جدوى فقد كان الانسان يملك خبرة كافية لأغلاق اذنيه في الوقت المناسب. و عندما ابحر القائد الروماني سولو لكي يهدم طروادة للمرة الثامنة , كان يمهد طريق الامبراطورية الى مدن الشرق .. و في احدى هذه المدن الصغيرة الضيقة الازقة ولد فاتح اخر اسمه- عيسى ابن مريم – و كان يحمل كلمة الله معه .. و بدأ مهرجان الصلبان .. و قتل الامبراطور من المسيحين اكثر مما قتل وباء الكوليرا الذي اجتاح العالم في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد .. قبل ان يصبح مسيحيا مثلهم – بعد ان علمته الفلسفة كيف يحتفظ بأوهامه الوثنية تحت اسم اخر – و بدلا ان تنمو كلمات الله في قلعة الانسان , اختلطت ببقايا زيوس الفظيع , و جعلت المسيح - مثل هرقل - ابنا للرب نفسه , و ربطت مريم بهما معا , و ربطت اليونان بين زيوس و هرقل و افيجينا , و تم صنع الثالوث , مرة اخرى , من المرمر و كلمات الرب الودودة , و انتصبت الايقونات في رأس الانسان , متحايلة داخل قلعته العظيمة عشرين قرنا بلا انقطاع .. فيما خلع الفقهاء المسلمون احذيتهم و اقتعدوا ارصفة الشوارع بين بغداد و قرطبة محرقين بخورهم ليكتبوا كلمات الله في الاحجبة الملونة مقابل بيضة و حفنتين من دقيق القمح , و خمد لهيب المعركة حتى اوقده بيكون و داروين مرة اخرى بعد سبعة قرون .. ثم حملته الاقمار الصناعية الى السماء .. و بدأ الانسان – يفهم – بدأ يرى قلعته العظيمة في ضوء الشمس و يحس بمدى بشاعتها عبر تلك الحزم المعتمة من الجهل و الشره و الانانية التي لا حد لها .. و كان من الواضح ان تلك القوقعة لا يمكن كسرها إلا بمعول مصنوع من الماس .. إلا بحفنة من الكتب الجيدة التي تستطيع ان تفتح النوافذ امام ماء المطر و الشمس .. و تغسل رأس الانسان جيدا حتى تختنق خفافيشه الفظيعة .. و لكي يتعلم الانسان هذه الحقيقة مات الف نبي .. و انزل الله ثلاثة كتب مقدسة , و شرب مليون فيلسوف كؤوس السم الحاد .. و بنيت مائة و خمسون مليون مدينة الآن .. ان ثمة اثنى عشر مليار من الناس على الارض .. سلم مصنوع من البشر يستطيع ان يصل الى القمر مرتين و يأكل الارض – لو كانت الارض خبزا – في خمسة اسابيع ثم يشرب النيل في اليوم التالي و كل واحد منهم يحمل عالما مختلفا في راسه .. عالما لا يقبل الذوبان في الآخرين و لا يمكن ان يهدمه احد بيديه .. و المشكلة – ان الحقيقة – ليست اثنى عشر مليارد .. انها حقيقة واحدة ليس غير .. فكيف يجتمع الناس عند نقطة واحدة .. كيف تتخلى القلاع عن اوهامها ,, و تأتي لكي تذوب مع الاخرين !! من يقنع من ؟ فأن تلك مشكلة هائلة لم يستطع احد حلها حتى الآن .. و قد تتطلب الامر مرة ان ينهض الطوفان لكي يقتنع الناس بكلمات نوح .. و ان ينهض الموتى و يمشي الكسيح لكي يقبل اليهود ان ينصتوا الى عيسى بضعة دقائق .. و لكن احدا لا يستطيع ان يفعل ذلك الان , فأن الموتى لم يعودوا ينهضون طبقا لأمر احد .. و ليس ثمة فرصة لإحداث معجزة لا يستطيع العلم تفسيرها .. فالإنسان يعرف اشياء كثيرة في هذا العصر .. انه يعرف كل الحيل تقريبا .. و الفرصة الوحيدة .. و الامل الذي لا شيء وراءه تحمله الكتب وحدها .. تلك الورقات القادرة على النقاش الجيد في ضوء شمعة او في ضوء الشمس .. و التي ظلت تحمل الفضيلة بين يديها منذ ان حفر القسس اول كتاب في حجر بابلي بمطرقة و مسمار صدئ الى ان دارت المطابع العملاقة لكي تخرج كتابا كل اربع دقائق , الامل ان يفتح الانسان نوافذه الصدئة .. او ينتظر طوفان الهيدروجين تحمله النفاثات مثل اكياس البريد من موسكو و اليها , مهرجان القراصنة الملون .. فقد حدث ذلك دائما بين بابل نينيف .. و بين روما و قرطاجنة .. و ين برلين و باريس .. و يستطيع ان يحدث بين موسكو و بين الاخرين في المرة القادمة . الفرق الوحيد ان الرعاة يملكون سلاحا ذريا الآن .. لعبة جديدة لا تفتح رأس احد و لكنها تحيله الى رماد خلال ثلاث دقائق مشحونة بألم لا يعرفه سوى اطفال نجازاكي الصغار .. ألم يشبه الاحتراق داخل فرن في بدلة من النحاس ..

ثلاث دقائق كاملة . 1966 من كتاب " طرق مغطاة بالثلج "