جديد الموقع:
صدقية المحك
الثلاثاء 16 ماي 2017 20:36:12

 

خاطرة قصصية  من إعداد :

ذ : لحسن الحسناوي                                  

                                                                                     إهداء 

 

            إلى كل من يؤمن بقوة العزيمة، إلى كل من يبني شعاره على مصداقية وصدق صلابة الأساس.... على الإيمان بأن : (لا يصح إلا الصحيح) ،وفي المقابل : إلى كل من يغتر بالخديعة والاعتماد على التافه في بناء الذات ، وعلى الإتكالية والتواكل ، أتقدم بهذه القصة / العبرة . إلى أعزائي التلاميذ في صنفيهما : الجاد الواثق ، والمخادع الكاذب.... لعل الأخير يعتبر بمآل الشخصية المغرورة في النص القصصي ، ويتشجع الأول على استنبات الواثقين الصالحين.

             والحكمة أن البناء على الصحيح تشييد يقوى ، وإن على الخديعة والغش فما هو إلا ترميم على برسيم - لا بد - تذروه الرياح ويكذبه المحك في أية لحظة.

                                               (....والعبرة بالخواتيم ....)

 

                                          لحسن الحسناوي

 

تقديم :

            إليك عزيزي القارئمحاولة تشخيصية لمعالم وعلامات الإصرار والعزم والصبر، باعتماد السير على منهج ضامن للقبض بيقين على المستقبل ، وعلى النقيض تشخيص لعلامات مغالطة النفس والكذب على الذات في اعتماد التواكل والنفاق والمخادعة، واختيار العشوائية دون تحكيم العقل  أو الارتكاز على منهج مضبوط في تكوين الذات والتحقق من المستقبل .

               سأعتمد في هذا التشخيص على شخصيتين ورقيتين قد يكون لكل منهما ظل في واقع الواقع ......شخصيتين متناقضتين تمام التناقض  ( دراسيا، اجتماعيا، فكريا..... وسلوكاتيا ) آثرت أن اسمي الأولى باسم = صابر = ارتكازا على ما سيلاحظ عليها من تناغم بين سلوكياتها وتصرفاتها على امتداد المتن الحكائي ، وبين الدلالة المعجمية والأخرى الاشتقاقية الصرفية . وأما الثانية فقد اخترت لها إسم = هشمان = اعتبارا للتلاؤم اشتقاقيا ودلاليا أيضا بين الاسم والمسمى من منظور تحركاتها وسلوكياتها في التنامي الحكائي بأكمله.

         صابر شخصية ستبني المستقبل على كل ما هو متين ، مستقبل سيشيده على الصوائر المتينة التي لا تؤثر فيها صروف الزمان ولا ظروف الحياة القاسية ، ولا تقلبات الأحداث ..... في صراع وتحدي ، في إمهال الذات بالصبر لمكافأتها بكل ما هو جميل وغال ، بالوقوف بكل عزم وإصرار على إثبات : ( أن أكون أو لا أكون )... بإيمان قوي على أن الحياة لا تستقيم إلا لذوي هذا المبدأ المقتنعين بحكمة : لا يصح إلا الصحيح...

              وأما هشمان، فسيظهر ضحية التواكل والخديعة ، ضحية شخصية بنت مستقبلها على برسيم هشيم  لا بد -  ومهما طال الزمان -  ستحطمه الرياح وتعصف به ، باستناده على كل هش مؤقت .. بمصير تعس جزاء له على سوء اختياره في بناء المستقبل على مبدإ( سأقوى بالخديعة والإتكالية.)

      *******************************

 

                   1

صابر ابن يتيم من الأب، طالب علم شغوف طموح، مراهق الأسرة التي تعيلها الأم الغالية ،مكونة من أخوين يكبرانه سنا وأخت متزوجة هي أولى المواليد . يقطنون بيتا من ثلاث غرف ومطبخ صغير لا يتوفر إلا على القليل من المستلزمات ، ولا تفوح منه رائحة المرق المـــلحم إلا في ناذر الأيام ، وتحديدا يوم عيد الأضحى ، وبعده بقليل ، ثم من الثلاثين إلى العشرين ، حيث تغيب لتستبدل برائحة قديد تشعر الأسرة بأن البيت ما يزال يحس بأن فيه أناسا - بشرا ، يستحقون منه الاعتراف والاعتزاز بأنفتهم وعلو مقامهم في دفائن جدرانه وأركان غرفه الشبه فارغة.....

وهي تخطو خطواتها في طريقها إلى بيت مشغلتها تمرقها العين في منتهى الحشمة والوقار ، لاتلتفت يمنة ولا يسرة .

 تمر أولا على بقال الحي- السيد عثمان- ذي العمامة البيضاء الناصعة البياض على الدوام ، والعينين اللتين لا تتركان فرصة للوصف لما يظهر عليهما من خجل وحياء أمام الغالية التي اعتادت على التحقق من عدم غفلته أو سهوه عن أغراضها أثناء عودتها مساء إلى بيتها المتواضع : قطيعات سكر معدودة وحبات شاي ملفوفة - كالعادة - في ما يشبه منديلا وردي اللون ،جرت الأقدار ووازع عاطفة الأمومة ألا تفرط فيها يوميا لغاية ووعد نفسي لا تعلمهما إلا هي ، ذاك هو الهاجس الذي يدفعها دائما إلى التحقق من التزامه ووعده توفير نصيبها اليومي دون أدنى سهو ، قبل مواصلتها طريقها لتضم بين دراعيها الدافئتين وصدرها العطوف الصبية = حنان = أولى مواليد سيدة البيت، الموظفة المحترمة، التي تفرض عليها ظروف عملها مغادرته منذ باكر الصباح.

        يستفيق  الأخوان قيس وصفوان مبكرا كالعادة، خوفا من تهديد رب العمل أو تسريحهما لو قدر القادر عليهما تأخرا ، يكدان بجهد في عمل موحد بمردودية متساوية ، رغم أن قيسا يصغر أخاه بقليل ، ويبدوان توأما في تطابق شبه تام لولا بعض الشعيرات الخفيفة على ذقن صفوان....

                           2

يكتفيان وقت حلول الغداء/ الاستراحية بوجبة بسيطة مشتركة .....يقتسمان بتسامح في زاوية من زوايا المعمل ما أعدت لهما الأم بعد انتهائها من صلاة الفجر : رغيف يتوسطه ذهان زيت ، وسخان شاي لا يفي لتقادمه بحفظ الحرارة، وكوب شاي يتناوبان عليه ، مما ترك الأب ضمن البسيط من التجهيزات... يسامح أحدهما الآخر قبل الاقتسام وبعده ، خوفا من عذاب الله إن حصل وتغافلت العين واليد عن القسطاس والعدل...... وفي ناذر الأحيان، وتزامنا مع نهاية أسبوع من العمل الشاق والروتيني ، يتبرعان على نفسيهما بعلبة سمك يقتسمانها في خجل شبه قاتل لمشاعرهما ، ذهان السمك على شفاههما ......منعش  حقا في الظاهر، وفي نفسيتهما إبــر تخز.... وتخز .....لربما سيؤثر مقابله على فاتورة الكراء الشهرية ، هكذا يكون تفكيرهما معا أو قد يكون أقرب من ذلك...، إلا أن إحساسهما بالذهان يشعرهما بأن الدنيا ما زالت تحتضن أناسا طيبين ،كصاحب الدكان البسيط المجاور للمعمل ، وهو الذي يسخو عليهما بتخفيض لا بأس به من الثمن الإجمالي للعلبة جزاء لهما، في عميق نفسه ،على ما اقتنع به في حقهما  من وفاء وحسن أخلاق منذ التحاقهما بالمعمل..... وثقته في تعاملهما.........

     تعود صابر الاستيقاظ على تهليل المؤذن ، وصياح الديكان المعلنة عن اليوم الجديد ، وعلامات الفجر...يطمئن على حاله ويحمد خالقه مستعدا لأداء الفريضة ، وبين تباشير إشراقة الشمس تراه منتظرا فراغ أمه من إعداد ما قل من طعام وهي تغمغم مناجية ربها بدعوات الفلاح وحلول اليوم الذي ترى فيه ابنها موظفا براتب ينسي كل مآسي الحاضر والماضي . ينتظر توجهها نحوه بعينيها اللتين تخفيان ما لا قدرة لها على إسماعه إياه..لكن صابرا يقرأ فيهما ما يقرأ المتفرس في آيات الكتاب المبين (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة.) ،واستحضار الآية الكريمة : (حملته أمه كرها ووضعته كرها .)

                              3

             ينصرف قيس وصفوان في صمت ، تحت دعوات الأم التي لا تستقيم شفتاها إلا بالدعاء والتوجه إلى العلي القدير أن ينير طريقهما ويفتح أمامهما أبواب الرزق والسعادة وتيسير ظروف العمل....

أتى صابر على الركعة الرابعة من النوافل ، وعاود النظر ومراجعته النهائية لدرس افتتاحية الصباح – وتلك عادته كل يوم – عله يطمئن ويطمئن على فوزه بتشجيعات أستاذه كاستهلالية ليومه الدراسي.. وبينما هو في طريقه إلى الدرس ، مصونا بدعوات الأم الغالية ، سقط من على دراجته المتواضعة لسبب لم يدركه، لكنه تشجع وعاود الركوب متعودا من الشيطان ومتوكلا على الخالق، متعطشا لتشجيعات أستاذه في مستهل الحصص الصباحية.

-        ردد في عمق نفسه : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، مرتين أو ثلاثا.

-        خدوشك يا صابر لن تزيدك إلا عزما وإصرارا، ستنسيكها تشجيعات أستاذك ، فلا تدع للانهزام أي منفذ لنفسيتك . هكذا كان صابر ينصت لداخله في مناجاة تقوي عزيمته...

-        صابر، خدوشك بليغة ،عد إلى البيت وانس هم الدراسة والدرس ، فراشك ما يزال دافئا ... سيضمك ويحضنك ... دمك غال ولن يعوض ... هكذا فاجأه هشمان وهو يناوله ما تبقى من سيجارته مغريا إياه ...... وظهر في مقام الرزين المتعقل الرافض، ولم تنل إغرائيات هشمان من إصرار زميله في القسم ، ولا سوداوية المآل الذي سيصير إليه إن عاند، بادر الى الركوب دون أدنى اكتراث  وانطلق كالسهم مواصلا طريقه ، إلى أن ابتلعه المنعرج وأشجار الغابة المجانــبة لطريقه المعتاد آملا في عمق نفسه أن .... وأن....  والغاية الثابتة في دفائنه: ابتسامة خفية ستكبر وتثمر عندما ينال التشجيعات التي

                                                                                       4

-        أصبحت لديه أبلغ وأغلى ما يقدمه للغالية هدية وبشرى عند عودته .. وزادا يقوي إصراره أكثر فأكثر..

تضاعف اجتهاد هشمان في استمالة زميله ، فخصص أوقات دراسته اليومية للتفكير والتفكير..... اقتنص وقت عودة الزميل مساء إلى البيت، وعلى مقربة من شجرة يتيمة ذابلة حيث مقره المعتاد كلما تغيب عن الدرس ، هناك في أقصى الطريق فوجئ صابر بصوت جهوري همجي خشن، صادر عن حنجرة شبه رجولية قد أنهكها إدمان وإدمان....

-        صابر هناك في مقهى الحي المجاور فرص سانحة لمعرفة ما جد في عالم الموضة التلاميذية ... فبقاؤك على حال الهندام العادي يشعر بالتخلف والجهل..إن المقهى سيشعرنا بالراحة والاستمتاع..... تتردد عليه الفتيات ، ونستمتع فيه بالمناظر والظواهر ...

يتابع صابر طريقه دون أي جواب .... وقد نال من مبتغاه باستفاضة بالغة ، تشجيعات تلو الأخرى على طول يومه الدراسي . إلا أن ما علق بذهنه بمرارة مبطنة استدعاؤه من طرف أستاذه - على انفراد - بعد انتهاء حصته ، وبعد تشجيعا ته له على كل جواب قدمه . لقد هيأه نفسيا قبل أن يبوح له بالحاصل ، تفاديا منه ألا يصاب بأي إحباط أو ما يشبهه .. :

صابر ، لقد فوجئت كثيرا برتبتك في الفرض المنجز باحتلالك الرتبة الثانية بعد هشمان ؟

ورد صابر بكل شجاعة وثقة أن يقينه في الحكمة البليغة ( لا يصح إلا الصحيح ) فلهشمان طرق غش لا تضبط ، وطمأن أستاذه بثقته في نفسه وفي قدراته وعزمه ... باهتمامه وطموحاته.

 

                          5

بالصدفة ، ودون سابق علم ، استفسره أستاذه الذي يكن له أيما احترام وتقدير عما إذا كانت له قدوة أو مثال في الحياة قرر ان يبني عليها شخصيته ، ليبوح له بكل ما كان يغذي عزيمته منذ مرحلته الابتدائية إلى الآن.. وإلى القادم من الأعوام...:

-        لقد جاورتنا أسرة متواضعة منذ سنين ، وأنا في صغري لمست في ابنها الأكبر كل العزم والإصرار وتجاوز المصاعب ... كابد وعانى ، شحت عليهم الدنيا بأبسط وسائل العيش ، كانوا معيلين بأجرة أمهم التي كانت تنالها كمنظفة بيوت .... وها هو الآن مهندسا متواضعا عائلا لأسرته ، وقد أفاض عليهم الخالق كل ملذات الحياة وخيراتها، ونسيت كل آلام الماضي وبؤسه في أعينهم... كل متاعب ضيق حالهم أصبحت الآن في طي النسيان .

أشار عليه أستاذه العطوف بالاستنصاح من السيد المهندس، وبطلب التوجيه والإرشاد إن كان فارق السن لا يمنعه من ذلك.. ما دام مثاله وقدوته في الحياة.

ردد صابر في عميق روحه البارة أن بإمكانه ذلك ما دام يصادفه باستمرار عند صلاة كل عشاء بالمسجد ، وآمن بكل اطمئنان أن في الاقتراح الخير وكل الخير ، كيف لا والسيد المهندس هو مثاله الأعلى وعن أمثاله تؤخذ النصائح بلا غلاب ..... وبدأ في استرجاع ما احتفظت به الذاكرة من حياة قدوته ، دون أدنى إغفال أو قفز على الجزئيات وكأنه قد دون في ذاكرته سيرته بكل تفاصيلها وجزئياتها . استحضر، واستحضر الكثير ، إلا أن ما لصق بالخيال ما كان يبدو على السيد المهندس من ضبط واحترام لبرنامجه اليومي الذي ظن صابر أنه قد وضعه وفق برنامج دقيق ، يسير عليه حياته اليومية كما على عقارب الساعة، إضافة إلى ما كبرت عليه شخصيته من حب الغير وميله لفعل الخير على الدوام

                            6

..... استفاد صابر من التوجيهات والوصايا الكثير ، وتقوى في نفسه العزم والإصرار ، وكبرت شخصيته في نفسه .. إنه اللحظة- في مخيلته - مهندس بامتياز... يتصور ذاته معيلا ، أبا ، يعيش كل ما حرمتهم الحياة من متع وملذات في الماضي القريب البعيد.. من طيبات العيش مما أحل الله لعباده الصالحين.

      يستغرق في الغوص في الماضي والحاضر والمستقبل ، يستغرق ثم يستغرق.... وتستمر الأيام ولا تزيده إلا شجاعة على مثل، وتنتهي السنة الدراسية بتفوق منتظر ، وما زالت مرتبته بعد هشمان . لم تهزم مقوماته على الإطلاق، فهو الذي قد آمن بعمق بأن(لايصح إلا الصحيح.).

  مرت سنتان قضاهما هشمان في بحث لامجدي عن مغريات تستميل زميله نحو الضياع ، بينما صابر قد أغلق عليه باب غرفته المتواضعة تفكيرا وتفكيرا في تقصي المزيد من أسباب النجاح والتميز واستقر في النهاية على برمجة ذاته على ما تزود به من نصائح وتوجيهات ليبنى برنامجه الليلي على برنامجه اليومي بدراسة عقلانية مضبوطة.

كان من إلحاحيا ت هشمان وإصراره على جر زميله في الصف إلى الضياع ، أن اقترح عليه شيطانه اللعين طرق بابه ليلا سائلا .. إلا أن الغالية – وهي صاحبة جوارح وأحاسيس أمومة صادقة –أصرت على ابنها وزادت في الإصرار على عدم تلبية النداء . ليرجع لاويا على صفر المطاوعة .  لم ينم على أية نية سوى على خططه الإبليسية راسما أكبر نهج للزج بصابر في براثين المخدرات ومخالب الإهمال وكل ما أوحى به شيطانه مما يساهم في بناء القطيعة بين صابر ودروسه ومقرراته الدراسية بالتدرج .

تمر الأيام وقد لوحظ على صابر كثير من الميل إلى تجنب طريقه المعتاد إلى صفه الدراسي، ولم يكن هذا الاختيار انهزاما أو أي شعور بالنقص ، إلا أن الأخلاق والتربية المصونة برضا الأم

                              7

والعلي القدير.... والتزام الأسرة بما ورثت عن الأب من فضائل الأخلاق كانت حاجزا دفينا بينه وبين أي تصرف مسيء تجاه الغير ولو....

    لم يتبق أي فاصل زمني بين المرشحين للامتحانات والموعد إلا ضيق من الزمان ، مسافة زمنية تشد فيها القلوب ،وتتنوع فيها القرارات وتختلف ، ويكثر الحديث بين جماعات هنا وأخرى هناك ، وثالثة اجتمع فيها من كان بينهم سابق تعارف ومن لم يكن.ورابعة ..و.... كل جماعة وما تتذاكر فيه من ..، رأي هذا ضامن ، ورأي ذاك مخاطرة ، ورأي الثالث متجاوز .... كل وإملاءاته... كل ونظرياته... وكل منها مجازفات وخروقات ... و عين الصواب غائبة أو مغيبة على الأصح....

   اللحظة ، ومن غير المعتاد ظهر هشمان مباشرة بعد انتهائه من مداولات الجماعات ، ولم يقترح أي رأي – فهو الواثق من نفسه في خططه التي ينفرد بها في اعتقاده – بدا أمام زميله في زي السخاء والجود وكل صفات الصديق المحب الموثر( الذي يوثرعلى نفسه ولو كانت به خصاصة)، اقترح تناول مخدر من نوع .... مبررا صدقه ومصداقيته بايجابية المفعول في تقوية الذاكرة ومحاربة الإرهاق وتدقيق التركيز و..و... مما هو مطلوب في المراجعات النهائية والحاسمة في المحك. إلا أن صابرا لم ولم يكترث ولم يتقبل العرض السخي على الإطلاق. إغراءات وإغراءات اجتهد هشمان في عرضها وما يزال ، لكن إصرار صابر وعزمه على الثبات والثقة في النفس ووعده ذاته بالتوكل وحسن بناء المعرفة .... كل ذلك وقف أمام زميله في كل المحاولات . لينتهي الموسم بما حمله لكل منهما : ودائما كان الثابت على لوائح النتائج أن هشمان أولا ويليه صابر على لوائح الكتابي .

لا يهم-  لايهم. غمغم صابر وانصرف بعد تلقيه تهاني وتهاني من جماعة أصدقائه الطيبين ، ليهرول مسرعا إلى البيت مؤمنا في يقينه وعمق إحساسه أنه على رأس القائمة بدون منازع

                         8

  بين فرحة الفوز والتميز ، ومصادفته نبأ ازدياد أول مولود لأخته ، عاش صابر لحظات إحساس غريب .. بين الفرح وصدمة الأعراف التي قضت - مند زمن لا يتذكره ، ولا أمه ، ولا إخوته – أن تتكفل أسرة البنت المتزوجة بمصاريف تجهيزها ومولودها في أولى الولادات .. فيا لها من وضعية أنسته الفرحة أو كادت ، إلا أن صفوان قطع الصدمة ببشرى توفره على ما يمكن من ذلك من مال، ولو كان تدخله من باب ... ما لم يرد ان يخبر به في اللحظة.

فموقع الأسرة بالحي لما عرفت به من مثالية وصدق وحسن أخلاق وما دام هناك خالق مطلع على السرائر قادر على تصريف الأمور والأحوال..كل ذلك سييسر الاقتراض قياما بالواجب وتلبية للعرف المجتمعي الثقيل. هكذا فكر وردد صفوان في دخائل نفسه.... ومهد الأجواء لمواصلة الشعور بنشوة النجاح.

  تجاوز صابر لحظاته ، تضاعف إصراره وشدت أساريره نحو الهدف المنشود، تقوت عزيمته وكبر في قرارة نفسه مبدأه الشريف : أن أكون أو لا أكون ، فقرر مواصلة الطريق بالانخراط في المباريات المخصصة لحاملي الشواهد.. طرق باب التسجيل في الهندسة كاختيار أول ، ثم تخصصات أخرى ما دام قد بنى شخصيته على نموذج . وعلى لوائح المقبولين رتب ثانيا بعد هشمان .

أهذا سر أم لعنة ملتصقة.... أصابته لحظة سهو عميق وتوزع ذهن وشرود... لا يهم . ردد في غور نفسه واحتفظ لذاته بشعاره الدائم : لا يصح إلا الصحيح.

تمر الأيام دقائق وثواني بالعد والعدد دقائق وثواني تمر على كل منهما وسائر المقبولين...بين سندان السلب ومطرقة المصير ليحل الموعد/ المحك ، وأمام قاعة المقابلات تجمعت الجموع زرافات زرافات كل وحديثه كل وزئبق... ساحة معهد التكوين تتفرج على الحاضرين وصابر متأملا واثقا على عشب أخضر تحف به شجيرات برع المكلف في تصفيفها والعناية بها ، وبعض أصناف الطيور تردد

                               9

تغريدا على مقربة منه .. وكأنها تزف ببشرى أو تحمل إليه ألوان وتباشير الفوز والفلاح ، لحظات تلوينات نفسية عاشها صابر قبل المناداة عليه بعد هشمان طبقا لما ينص عليه قانون وأدبيات الشفوي . استغرب كثيرا وكثيرا. فهشمان لم يقض طويل وقت ممتحنا بعد أن ولج القاعة بشعور غريب وكأنه يدخل غرفة عمليات ، فم مشدود، نفسية تصغر وتصغر..... إنه لا شيء في نظره وحقيقة  نفسه.

 لاحظ عليه أعضاء اللجنة باستهجان واستخفاف تلكؤا وتهجئة وصعوبة نطقية مند الفقرة الاولى من قراءته . كثر الحديث بينهم وطالت المقاربات والتساؤلات.. تعددت علامات الاستفهام... وهشمان خارج القاعة مشدود الأعصاب متصلب الشفتين  صغير وصاغر الهمة والشأن.. ربما انفصمت شخصيته بين راض مقتنع يتجرع مرارة الفشل باقتناع ، وبين موبخ يأسف على سوء اختيار منهج الاتكالية و الكذب على الذات....

أشير لصابر بالبدء من حيث أمر هشمان بالتوقف ، وتحديدا بدءا من السطر الثاني من أول فقرة من النص ... واصل القراءة ، أجاب وأجاب وأتقن الأجوبة..... سلامة قرائية ، ضبط لغوي وتركيبي ، فهم واستيعاب .... ثم إعجاب وتهاني....

 نال صابر كرسي تعيين مشرف بعد قضاء سنوات تكوين ... مارس مهنة  الهندسة بكل تشريف وتقدير ، وكان أول قراره بحلول أول راحة مهنية أن يخصص زيارة لزميله في الماضي، ليفاجأ بواقع مأساوي : هشمان طريح المرض منذ خمس سنوات ، وقد ثقلت مصاريف علاجه المزمن جراء إصابته بتخثر دموي ناتج عن إدمان من نوع.... .......  ليقف صابر متصلبا نادما متحسرا على غفلته وسهوه عن نصح الزميل أيام كان يغريه بالتعاطي..... ، وهو السباق...ولم يشف حرقته

 

                           10

للتكفير عن ذنبه إلا قرار صدرهالرحيم و نفسهالبيضاء أن يتكفل بالمصاريف -خفية -تحت إسم :  ( نادم يكفر عن ذنبه) ، وذلك عبر وسيط يحفظ القرار .

والعبرة بالخواتيم.............

 

                                                           انتهى.

 

 

 

المصدر: -

مواضيع ذات صلة



للتواصل مع

zelmouziz@gmail.com

تعليقات الزوار

1: أستاذ ( من الحقل التربوي)
 17 ماي 2017 16:30:35

جازى الله أستاذنا خير الجزاء على هذا الإبداع التربوي الرائع الذي يتضمن قصة هجيبة أتمنى أن تكون درسا مفيدا لتلاميذنا في ما انتهت إليه شخصية صابر وشخصية هشمان.

2: الحسناوي ادريس
 24 ماي 2017 12:13:44

لغة متينة تذكرنا بلطفي المنفلوطي.ورسالة تربوية مضمنة بين ثنايا هذه الأقصوصة .مودتي ،مع متمنياتي لقلمك أن يواصل الكتابة في زمن النكوص والرذاءة .

أضف تعليق

المرسل
عنوان الرسالة
محتوى الرسالة

تابعنا على:
*جميع المقالات والمواضيع المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية
© جميع الحقوق محفوظة لشبكة زلمو زيز اﻹلكترونية ©
للتواصل معنا: zelmouziz@gmail.com
Développé par ASTROLAB MEDIA