في إطار الدورة الثانية عشرة من مهرجان ليالي المسرح الحر المقامة حاليا بالأردن ما بين 13، و18 ماي 2017 ، وبتعاون مع كلية الفنون والتصميم التابعة للجامعة الأردنية بعمان يشارك الدكتور سعيد كريمي في ندوة دولية حول المسرح والموسيقى بمداخلة تحمل عنوان: "لغة الموسيقى ونسق العرض المسرحي". وقد ترأس جلسة هذه الندوة العلمية الدكتور عمر نقرش رئيس قسم المسرح بكلية الفنون، وشارك فيها الدكتور سامح مهران مدير أكاديمية الفنون بالقاهرة سابقا، ورئيس مهرجان المسرح التجريبي والمعاصر، بالإضافة إلى الفنانة والسنوغراف اللبنانية الدائعة الصيت شادية زيتون. كما تخلل الندوة نقاش عميق بين المتدخلين والحضور.

ومن بين ما جاء في مقدمة ورقة الدكتور سعيد كريمي أن الموسيقى من اللغات الفنية المرتبطة بالإنسان منذ الخليقة. وقد أثبتت الدراسات الحديثة أن الجنين يتفاعل في بطن أمه مع النوطات والإيقاعات الموسيقية. وتدخل الموسيقى في تركيبة الأنساق الثقافية لمختلف شعوب العالم، وتعبر عن الاختيارات الفنية لهذه الشعوب في إطار إنصاتها لنبض الطبيعة. كما أن الموسيقى في مختلف إيقاعاتها تعبير عميق عن هوية وشخصية الإنسان، وإدراكه للكون، وتمثله لمختلف تمظهرات الوجود. وهو ما يجعل الإنسان في كائنه وممكنه تواقا إلى تشكيل معالم وقسمات ألوان موسيقية بديعة تعكس مستوى تحضره، ونضجه الفني والمعرفي.

وقبل أن تتحول الموسيقى إلى علم، وتتطور بشكل كبير، وتغدو مدارس وتوجهات مختلفة ومتباينة، مرت بمراحل عديدة... غير أن ما يميزها أساسا هو العالمية والكونية، والقدرة على العبور السلس والمتدفق من ثقافة إلى ثقافة أخرى، ومن حضارة إلى حضارة أخرى. ورغم الخصوصية التي تطبع مجموعة من الأنماط الموسيقية، نظرا لكونها سفيرا للمكان والزمان، وعنوانا للأفراد والجماعات من حيث اختياراتهم الفلسفية والفنية والجمالية، إلا أنها تبقى رغم ذلك ميسما مشتركا يوحد بني البشر أنى وجدوا.      

  وقد شكلت الموسيقى على الدوام رافدا ومكونا أساسيا من مكونات المسرح منذ العصر اليوناني وحتى الفترة الزمنية المعاصرة. وقد كانت أناشيد الجوقة، ومعزوفات الموسيقيين اليونانيين القدامى مواكبة للتراجيديات الخالدة التي كانت تقدم في الربوات، احتفاء بديونيزوس إله الخصب والإثمار. وأدرك اليونانيون القدامى قيمة الموسيقى ووقعها على النفس، لذلك عملوا على الاحتفاء بها من خلال إقحامها داخل مختلف الأجناس المسرحية المتعارف عليها، بما في ذلك التراجيديا، والكوميديا، والدراما.

ورغم أن المسرح الروماني لا يعدو كونه مسرحا يونانيا مكتوبا بلغة لاتينية، إلا أن رواده-خاصة الفيلسوف سينيك- عملوا على تخليد موساقاهم عبر إدماجها في الميلودرامات، لتكريس عظمة ورفعة الإمبراطورية الرومانية. ولم ينأ المسرح في القرون الوسطى عن سابقيه في توظيف الموسيقى في المسرح، حيث عمل القساوسة على إضفاء طابع القدسية على تراجيدياتهم البكائية من خلال مصاحبتها بموسيقى روحانية خاصة، تساعد على استحضار عذابات السيد المسيح باعتباره البطل التراجيدي الوحيد الذي عرفه الكون. غير أن التحولات الهيكلية الكبرى التي عرفها المسرح بعد الثورة الفرنسية، وإعادة  إحياء التراجيديا في حلة جديدة مع شكسبير، وكورنيي، وراسين...ودخول المسرح إلى الحداثة من بابها الواسع، وانبلاج عصر التجريب، وظهور مدارس وتوجهات مسرحية طليعية...ساهم بشكل كبير في تطور توظيف الموسيقى من داخل المسرح. فكيف ساهمت المدارس المسرحية التجريبية في تطوير اللغة الموسيقية المسرحية؟ وكيف يتم توظيف الموسيقى في كل مدرسة على حدة؟ وإلى أي حد خدم التجريب الموسيقى الرؤية الإخراجية؟ وما هي الأسس الفلسفية والفنية التي يقوم عليها التوظيف الموسيقى في الكتابة السينوغرافية الطليعية؟