كريم رجل يبلغ أربعين سنة، متزوج و له بنت وولدان ، يملك دكان يمارس فيه تجارة الأثاث، كل من تعامل مع كريم يؤكد أنه رجل مغفل يثق بأي شخص كان. كانت بلادته تخلق له المتاعب في عمله، فقد سبق أن نصب عليه من طرف بعض التجار. كاد حينها أن يفقد تجارته وتضيع أمواله منه، لولا زوجته التي كانت دائما تتدخل لتنقذه كلما وقع في مشكلة ما. ساعدته ببعض المال الذي كانت تكنزه لمثل هذه المواقف. لحسن حظه تحسنت أوضاعه المادية بشكل تدريجي وأصبح على أحسن ما يرام. زوجته إسمها مريم وهي من عائلة ميسورة. ما يعجبها في شخصية كريم هو طيبوبته، فهو شخص مسالم لا يحب الغوص في المشاكل. طيبوبته هذه جعلت البعض يشك في أنه يمتلك دماغا كباقي الناس. كانت مريم لا تكترث لما يقوله الناس عنه، بل على العكس من ذلك كانت تحترم زوجها كثيرا، ولم تنظر إليه يوما نظرة احتقار أو انتقاص. تذكره دائما بأنها إلى جانبه، وأنها لن تتخلى عنه.

 ذات يوم أقبل على دكانه ثلاثة رجال يتصببون عرقا، وكان واضحا من سيماهم أن هناك من يطاردهم. أحدهم يعرف كريم. كانوا يحملون ثلاث حقائب ممتلئة يجهل كريم محتواها، طلبوا منه إخفاءها في دكانه ريثما يعودون.

 أخد كريم الحقائب بصفاء نية كعادته، وقام بإخفائها بعد رحيل الرجال. بعد مرور بضع دقائق جاءت الشرطة بغتة. اقتحموا دكانه وشرعوا بالتفتيش. سأل كريم المفتش عن سبب إقتحامهم للدكان، وإذا بأحد عناصر الشرطة ينادي قائلا:

- سيدي ! سيدي ! لقد عثرنا على الحقائب، إنها هنا.

إقترب المفتش وفتح الحقائب. وجدها مملوءة بالمخدرات. أمر المفتش الضباط بأخذ كريم إلى مركز الشرطة لكي يتم استجوابه. تم أخد أقواله، التي أكد فيها أنه لا علاقة له بتلك الحقائب، و لكن القانون لا يحمي المغفلين.

 الرجال الثلاثة لاذوا بالفرار، ولم تتمكن الشرطة من العثور عليهم . في اليوم التالي عرض على المحكمة، وحكم عليه بسنتين حبسا نافذة بتهمة المتاجرة في المخدرات.

 كريم بريء- براءة الذئب من دم يوسف- مما نسب إليه. لكن غباءه اللانهائي تسبب له بمصيبة هذه المرة. تمت إحالته إلى سجن يطلق عليه إسم "المنسيون" سجن مليء بالمجرمين والقتلة. رافقه الحارس إلى الزنزانة التي سيتم الزج به فيها، حين وضع قدميه في باب الزنزانة عم صمت رهيب في المكان، عيون كثيرة موجهة صوب كريم، كأنه قطعة لحم رميت وسط قطيع من الذئاب . توجهوا نحوه بشكل همجي. وإذا بصوت خشن ومرتفع آت من أحد زوايا الزنزانة قال :

-توقفوووووا !!! ويحكم! من تجرأ على لمسه، حتى ولو بالمزاح، فليعتبر نفسه في عداد الأموات. تراجع الجميع و أصيبوا بالذعر.

كان ذلك صوت رجل جالس في احدى الزوايا. لحيته بيضاء وطويلة، له نفوذ كبير في السجن، يلقبونه ب "الحكيم". أتى كريم إلى جانبه وجلس. شكره على إنقاذه من أولائك السجناء، رد عليه الحكيم قائلا:

- أرادوا فقط إلقاء التحية بطريقتهم، وأنا منعتهم لأنني أشك أنك ستبقى حيا بعد قيامهم بذلك، وابتسم.

إستغرب كريم من قول الحكيم و لم يفهم ما قصده بقوله "أرادو إلقاء التحية".

لاحظ كريم أن الحكيم يتأبط حذاءه طوال الوقت ولا يرتديه مطلقا، فسأله عن سبب ذلك. فأجابه الإجابة الشهيرة التي يجيب بها دائما:

قدري يلاحقني، أنا دائما مستعد للحاق به إذا تجاوزني. وقال ما سبب تواجدك هنا ؟

 أجابه كريم وحكى له ما حدث، وأعاد توجيه السؤال نفسه .

 أجابه الحكيم قائلا : لقد ألفت مجموعة من الكتب تتحدث عن السياسة، وتنتقد النظام. ولأن كتبي تدعو للثورة ألقوا بي في السجن.

 أعجب كريم بالحكيم، وبدأ يجالسه كثيرا. وفي أحد الأيام طلب منه أن يعلمه الذكاء. قال له الحكيم: تريد تعلم الذكاء؟ إذن أنت - ضمنيا - تعترف بأنك غبي.

أجاب كريم : نعم غبائي هو سبب تواجدي هنا.

 قال له : لنعقد إتفاقا، أنا أعلمك الذكاء وأنت علمني الغباء إتفقنا؟

 قال كريم : حسنا إتفقنا.

طلب منه الحكيم أن يبدأ بتلقينه فنون الغباء.

 بدأ كريم بتلقينه إياها قائلا: لكي تصبح غبيا يجب أن تثق بالجميع، و لكي تصبح غبيا يجب أن لا تفكر بتاتا....

عندما إنتهى قال له الحكيم : ما دمت تستطيع تعليمي الغباء فأنت ذكي يا غبي ! وضحك ضحكته الشهيرة.

أجابه كريم قائلا: أنا لست ذكيا ! قل بكل وضوح أنك لا تريد تعليمي.

قال الحكيم : أنا لم أقل ذلك ، سأعلمك فقط لا تتسرع.

سر كريم وقال هل يمكننا أن نبدأ من الآن ، أجابه الحكيم :نعم بالتأكيد. أترى لحيتي البيضاء هذه؟ كل شعيرة بها تحمل قصة معينة، وتحمل السبب الذي جعلها تشتعل بياضا.

 أجاب كريم : (بكل إستغراب ) وما علاقة لحيتك بالموضوع ؟!

قال الحكيم : إكتف فقط بمجالستي، وحاول أن تعد تلك الشعيرات، في حين أقوم أنا بسرد قصة كل شعيرة لك. وفي اليوم الذي ستنهي فيه عد شعيرات لحيتي ستغدو ذكيا.

 شعر كريم بأن الحكيم يستهزئ به ويسخر منه، لكنه لم يظهر ذلك وبدأ بتنفيذ ما طلب منه.

مرت أيام، أسابيع، شهور... وكريم يجالس ذا اللحية البيضاء حتى تشبع بأفكاره وأصبح يفكر مثله. لدرجة أنه تعلق به كثيرا. بعد مرور سنة جاءت زوجته لزيارته ولاحظت التغيير الهائل الذي طرأ على زوجها. إذ أصبح كريم شخصا آخر. حدثها بطريقة غير مألوفة وملفتة للإنتباه. سألته قائلة : أنى لك هذه الطريقة التي تتحدث بها ؟

أجابها قائلا : سأروي لك كل شيء عندما أخرج من السجن. فقط بلغي سلامي للأولاد. وداعا عزيزتي.

في صباح أحد الأيام جاء الحراس، و طلبوا من الحكيم الذهاب معهم. مرت ساعات عديدة وكريم ينتظر عودته كي يخبره أنه تمكن من حساب عدد شعيرات لحيته، لكنه لم يعد. سأل أحد السجناء عن سبب تأخر الحكيم، فقال له : ألم يخبرك بأي شيء؟ قال : لا !!

 و أجاب السجان قائلا: اليوم هو موعد تنفيد حكم الإعدام في حقه.

 إنهار كريم، وسقط فوق أرضية الزنزانة، وتحسر على موت قدوته وصديقه. ذهب إلى موضع جلوس الحكيم فوجد حذاءه، الذي كان يتأبطه دائما، موضوعا فوق مكان جلوسه. قام بحمل الحذاء. نظر إليه قليلا، و بدأ يفحصه، وإذا به يجد قطعة من الورق ، فك طياتها، ووجد ما يلي مكتوبا عليها :

-لا تقتدي بفكر الحضيض.

-عش كما تريد، وليس كما يريدون. كل شيء نسبي .

حينها استوعب كريم أنه لا فرق بين الغباء والذكاء إن كانا يؤديان إلى النتيجة نفسها. فكريم دخل السجن بسب غبائه، والحكيم، ذو اللحية البيضاء، دخل السجن بسبب ذكائه. إذن الغباء والذكاء نسبيان. وفهم أن هدف الحكيم ليس أن يعرف عدد شعيرات لحيته، ولكن غايته هو نقل أفكاره  وذكائه لكريم عن طريق المجالسة، لكي يكون خليفته بعد أن ينفذ فيه حكم الإعدام .

بعد مرور السنة الثانية خرج كريم من السجن، وحكى لزوجته كل ما مر به في السجن، وحدثها عن كل شيء قالت له : كنت واثقة ومتيقنة أنه سيأتي يوم تمر فيه بتجربة عظيمة تجعلك حكيما في تصرفاتك، متزنا في قراراتك، كان حدسي دائما يخبرني بذلك. لهذا لم أفقد الأمل، ولم أتخل عنك...تأثر كريم بكلام زوجته، وقال في نفسه : كم أنا محظوظ لكون الله وهبني زوجة مثلك! وبعدها شرع في تطبيق الوصايا المكتوبة في الورقة، وأحس بلذة الحكمة التي تلقاها إبان سنتين في السجن.

 

عبد السلام هاروني