لحسن أيت لفقيه

 

يدين المعمار بالأطلس الكبير الشرقي إلى الرموز الثقافية القديمة، الشمس، والماء، والشجر، ويتصل، في الغالب، بهاجس الأمن، في إطار الدفاع الذاتي، علما أن وضع الترحال أكثر تحصينا من الاستقرار. ونسجل أنه لما تنفتح القرية على تيار ثقافي بلباس ديني يهودي أو إسلامي يتكيف المعمار تدريجيا، ليترك المجال للوظيفة الجديدة التي لا تستقيم حتى تتعدل وتلائم النسق الثقافي السائد. وقبل ذلك فالسكن المتراص وجد ليضمن التعاون والتآزر، وإن شئت فهو ذو صبغة سوسيوثقافية.

1-        الاستقرار: اختيار أم إكراه؟

لم يكن الاستقرار سلوكا مرغوبا فيه، في المرحلة ما قبل الحماية الفرنسية في المغرب. والناظر في الآثار الباقية من معمار القرون الخالية بحوضي زيز وگير، سيصادف أن معظم النقط العمرانية، ولو كانت مراكز تجارية، (گرس لوين، أيت يعقوب)، أو مواضع الحراسة (تمراكشت، النزالة)، أو زوايا دينية، (باكنو، الزاوية العياشية، الزاوية الوكيلية)، تعمرها الأقليات العرقية والدينية (اليهودية). ذلك أن القبائل، أو على الأقل، التحالفات المؤسسة على العرق أو الوظيفة، أو هما معا، لغموض مفهوم القبيلة في اللغة الأمازيغية، تحبذ ممارسة الترحال والانتجاع داخل مجال وظيفي محدد، يركن، هو الآخر، لبعض الأسس الحمائية، وفق ما تمليه المجالية كثقافة بالوسط.

ولئن كان التعمير غير مرغوب فيه في وسط بات فيه الرعي والترحال نشاطا اقتصاديا رئيسيا، فإن فضاءه واسع للغاية، متعدد الرموز والوظائف. وإن الذين عمروا مواضع مبثوثة على ضفتي واد زيز بجبال الأطلس الكبير الشرقي، بحثوا عن الاستجابة لحاجتين اثنتين: بناء حصون «تيعلاوين» لمراقبة المرور بالطريق التجارية سجلماسة/ فاس، من جهة. والانقطاع لتربية الخيول اعتمادا على مزارع الفصة، لضمان حراسة فعلية للقوافل التجارية، من جهة ثانية، وتربية الحمير لاستئجارها في نقل البضائع. ولا غرو، فقد بنيت القصور «الدواوير» الأولى غير بعيد عن الفجاج الإستراتيجية التي تعبرها المسالك الجبلية، وهي على شكل حصون دفاعية بالمنطقة. وللباحث في مواضع هذه الحصون أن يكتشف أن لها علاقة، بمستويات متفاوتة، بالدول التي عرفها تاريخ المغرب. ولما تراجع نشاط الطريق التجارية سجلمسة/ فاس ابتداء من النصف الثاني من القرن الثامن عشر، لم تجد القبيلة السائدة وقتذاك بالمنطقة – أيت يزدگ – بدا من الاعتماد على الأرض الزراعية لإنتاج ما يكفيها من الحبوب. ولمزارع الفصة دورها في إنتاج الألبان، وضمان غذاء الخيول. وفي النصف الأول من القرن التاسع عشر نجحت أيت يزدگ في إنشاء واحات باردة بقلب جبال الأطلس الكبير الشرقي، حيث تصادفها مستقرة على طول ضفتي واد زيز. لقد بنت قصورا تشبه في شكلها ونسيجها المعماري قصور تافيلالت. ومما يميز القصور الجبلية عن قصور تافيلالت، توافرها على شرف شاي تعقد فيها الجماعات السلالية، رفقة شيخ المزرعة، اجتمعات خاصة لتدبير شأن القرية. ونحب أن نطلق على هذه القصور الجديدة «القرى الزراعية المحصنة» لتعدد وظائفها الزراعية، أو بالأحرى، لتمييزها عن قصور تافيلالت بممارسة أهلها الرعي إلى جانب الزراعة، وبصغر مساحاتها. ونضيف أن ميلادها كان قسريا حيث اضطرت قبيلة أيت يزدگ إلى التخلي عن بناء القرى الجبلية «إغرمان»، والتشبث بالنمط المعماري الصحراوي الأكثر اتساعا، والأكثر علوا دون التخلي عن وظيفة «إغرم» الجبلي. إن كلتا التسميتين «إغرم» و«القصر» لا تدلان على المسمى الجديد الذي أنشأته قبيلة أيت يزدگ، بجبال الأطلس الكبير الشرقي.

وبالتركيز الدقيق نقول إنه، لما كانت جبال الأطلس الكبير الشرقي معبرا مؤقتا، للموجات البشرية، في هجرتها من الجنوب إلى الشمال، عدا سدراتة التي حبت أن تهاجر من الشمال إلى الجنوب، لأسباب لم نلف دليلا تاريخيا عنها، بعدُ، فإن الاستقرار بالمقعرات الجبلية، (أجمو) بالأمازيغية، وإن كان النظام الانقعاري الذي تتصف به السلسلة الجبلية الأطلسية بمنطقتي الريش وگير، يضمن بعض الإمكانيات، كالماء وشريط التربة الغريني القابل للاستثمار الزراعي، أقول، إن الاستقرار بالمقعرات الجبلية، بما هي قنوات تسلكها الرياح الشمالية الغربية، في فصل الشتاء، مرغوب عنه.

لكن ظروفا خاصة، تفرض الاستقرار المؤقت، منها ما له صلة بالدولة المركزية المغربية، كما سلفت إليه الإشارة، والتي كانت تعتمد من قبل في نظامها الحمائي على جيش القبائل، وعلى الأحزمة البشرية، ومنها ما يتصل بممارسة حراسة الطريق التجارية سجلماسة /فاس، بالممرات الإستراتيجية، مقابل واجب «الزطاطة»، أي: واجب المرور الذي يتأسس على حمل الحيوان، بغل أو بعير بالنسبة للمسلمين، وأما اليهود فيدفعون واجبا نقديا على ذواتهم، فضلا عن واجب دوابهم، شأنهم في المرور شأن البغال والحمير المحملة بالبضاعة، وذاك ميز عنصري، كانت تفرضه الثقافة المغربية في عصر ما قبل فرض الحماية الفرنسية سنة 1912.

وفوق ذلك، تحتاج القبائل التي تنتجع مراعي الأطلس الكبير الشرقي، أو تلك التي تنقطع لحراسة الممرات التجارية إلى موارد زراعية، كنحو التمور لمقاومة آفات المسغبة، ومزارع الفصة والشعير لتغذية الخيول، وذاك ما يفسر تحرك قبيلة أيت يزدك، لاحتلال التجمع القروي تولال، قبل سنة 1854، وهو المكون من قريتي «سعد الله»، و«تواصلت»، ونزولها هوامش حمادة كير بمواضع تاوزيمت، وأولاد علي، غير بعيد عن القنادسة بواحة الساورة. وفي ربيع 1884 حدثت معركة تيلوين التي من نتائجها السيطرة على موضع إگلميمن وواحات النخيل، وأما وجود أيت يزدك بخوانق زيز فكان لغاية حراسة الممر التجاري سجلماسة/ فاس. ذلك هو التدبير المؤقت للسيطرة على المجال.

ولما أدركت قبائل الأطلس الكبير الشرقي، أن لا مجال للسير قدما نحو شمال المغرب لإقدام السلطة المركزية، في أواخر القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر، على تطويق جبال الأطلس بإنشاء مواقع للحراسة بموضع عين اللوح، وبوزملا بأوطاط أيت يزدك، وغير ذلك من المواضع، بدأ التفكير في الاستقرار.

2-        المقعرات الجبلية والرموز الثقافية للاستقرار

وفرت المقعرات الجبلية بجبال الأطلس الكبير الشرقي إمكانيات إرساء قرى تتبرك بالشمس والماء والشجر، الرموز المقدمة على الوظيفة، أو الملازمة لها. ذلك أن المنطقة تتصف بخاصية تضاريسية، ندر وجودها في سلاسل جبلية في العالم، بيانها أن المقعرات رحبة للغاية، وتكاد تشبه هضابا مستوية بمنطقتي الريش وگير. وساهم هذا النظام الانقعاري، الذي قوامه ضيق مساحة المحدبات الجبلية ووسعة المقعرات، وامتداد عُنصريْ النظام المذكور، المقعر والمحدب، من الشمال الغربي نحو الجنوب الشرقي، في إيجاد قرى زراعية تضاهي قصور تافيلالت، وتحايثها إلى حد بعيد، القصور التي تجمع بين الرمز والوظيفة، وفق ما يلي:

أ‌-          مواضع الشمس مقدمة على مواضع الظل

تؤثر الجبال على المصدر الضوئي المبعوث من القمرين: تعكسه السفوح الجنوبية وتحجبه السفوح الشمالية، طيلة فصل الشتاء، حيث تقل مدة الإضاءة. وللسفوح الشرقية تأثيرها على شروق الشمس، كما للسفوح الغربية تأثيرها على غروبها. تسمى السفوح الجنوبية «أسامر»، أي: المكان المشمس مثل جبل «أسامر نايت فرگان» المشرف على تزمامارت. وتسمى السفوح الشمالية «أمالو»، أي: الظل، لأنها تستدبر الشمس، مثل جبل «أمالو» المظل على تزمامارت من الجنوب الغربي. و«أمالو» و«أسامر» مصطلحان جغرافيان استحسنهما الجغرافيون وأدركوا دلالتهما البيومناخيةو الطوبوغرافيا، وجعلوهما مصطلحين متداولين عالميا، مثل التضاريس الكارستية وتضاريس الحواف «لكويسطا». إذا كان الأمازيغ القدماء يربطونهما بالمصدر الضوئي نظرا لتأثيرهما القوي بالنور والنار، فإن الأوربيين يربطون السفوح الجبلية باتجاه الرياح العكسية الغربية «les westernes»، فيطلقون على السفوح المقابلة لها «Adret» ويسمون السفوح الواقعة في ظلها «Ubac». وبين أوصاف المجال الرطب وأوصاف المجال شبه الجاف، رابط يفيد أن لعناصر المناخ تأثيرها على السطح، وإن شئت على الأماكينية.

وتشكل الصخور السوداء فضاءات موحشة ترهب ليلا. ويرى السكان أن لهذه الصخور علاقة وطيدة بالليل. ويغلب على الظن أنها تنادي بليل سرمدي . ونأخذ الأمثلة في أماكن غير بعيدة عن تزمامارت، كجبل «مصطريد» (Masdrid) الذي يظل على بحيرة «إزلي»، وتعني «مصطريد» «Masdrid» بالأمازيغية «مُنزل الليل». وبالفعل فسواد الجبل الذي تعكسه مياه البحيرة يوحي بأنه – الجبل - ينادي على الدوام بنزول الليل. وفي السفح الجنوبي المظل على مجموعة «تلمي» القروية يحجب «مصطريد» ضوء الشمس في وقت متقدم من النهار، ولقد شهد «مصطريد» معركة حامية الوطيس بين الجيش الفرنسي والمقاومة المغربية في فاتح ماي 1933 جعلت من الجبل رمز الصمود والتحدي. ويغلب على الظن أن كلمة «أطلس»، «Atlas»، هي كلمة «أتلاس» الأمازيغية، أي: محدث الظلام، وقد تنطبق على المحيط الأطلسي الذي يسمى أيضا بحر الظلمات. وغير بعيد عن جبل الليل «مصطريد» يظهر جبل «تادغمامت» شامخا بجانب قرى «بوزمو»، «تيسيلا»، «توربطيت». وينسب الجبل إلى أسد الأطلس ذي اللون الأسود «أدغموس». تقول الرواية الشفوية إنه انقرض في بداية القرن الماضي، وقد تطلق «أدغموس» أو «أدغمام» على الحمار الأسود. ويشبه جبل بوالقنديل الواقع جنوب تزمامارت في شكله وفي لونه القنديل الأخضر.

وفي السفح الجنوبي لجبل العياشي، قرب فج «تيزي نتلغمت»، تقع الحفر الصفراء «تونا تيوراغين» بالأمازيغية. ولا أحد يجزم بأن للتسمية علاقة بالصخر، لأن جبل العياشي يبْيَض في فصل الشتاء بفعل تهاطل الثلوج، ويسوَد في فصل الصيف حينما يظهر أديم الأرض. ويغلب على الظن أن اصفرار الحفر راجع إلى الزهور الصفراء التي تعم السفح الجنوبي لجبل العياشي ابتداء من شهر مايو من كل سنة.

ونضيف أن الحفر الصفراء مرعى صيفي لرحل الأطلس الكبير الشرقي. وفي شمال غرب مركز الريش يقع جبل «أفرى»Afra ، أي جبل السلام، الذي ينعته البعض ب «أزرو أزگاغ »، أي: الجرف الأحمر. ويظهر الجبل على شكل جرف صخري أحمر خال من الغطاء النباتي. وفي شمال قرية «زاوية سيدي بوكيل»، غرب الريش، توجد ركامات من التراب الأبيض تدعى «تيملالين»Timellaline وتشكل مقلعا مهما لجلب التربة البيضاء لتزيين جدران البيوت. وهناك بشمال تازمامارت قرية «تاملالت».

ولثقافة التشميس، وتقدير الشمس والتبرك بها، تأثير على بناء القرى الزراعية للاستقرار. ولا أحد ينكر أن الإنسان بالأطلس الكبير الشرقي يهوى استدبار الرياح الشمالية الغربية الباردة التي تنزل من الجبال المملوءة بالثلج في المواسم الرطبة، كنحو جبل العياشي، وجبل «بردوز»، و«راست»، فيوجه الأبواب نحو الجنوب والشرق، ضمانا لبعض الدفء لماشيته وأسرته. لذلك لا مناص من اختيار المواضع المشمسة. والشمس رمز مقدر لدى الأمازيغ منذ قديم الزمان، لذلك تعد القرية المستقبلة القبلة، القبلة الشمسية، هنا، ذات فضل على القرية التي تستدبرها للضرورة كنحو قرية «أمالو»، بالتجمع القروي گرس لوين، وقرية «تامالوت» بالتجمع القروي «سمگات». وبالمقابل أطلق على ثلاث قرى جنوب شرق جبل العياشي اسم «إيسومير» بالأمازيغية، أي: القرى المشمسة، وهي «تازروفت»، و«زاوية سيدي حمزة»، و«الند».

ب‌-       الماء والنبات:

من العناصر الطبيعية الموظفة في تحديد المجال الوظيفي الطوبوغرافي وتعريفه نجد الماء والنبات. تحضر كلها [أو يغلب بعضها] في تمييز مجال عن الآخر، في الجزء المتضرس من الأرض خاصة.

وتضفي الطوبوغرافيا كثيرا من الخصوصيات على المجال، أو بالأحرى، على مورفولوجيا المكان، وتحدد أسلوب استغلال الأرض وطرق تعميرها. وتتحكم أيضا في إستراتيجية المواقع، انغلاقها وانفتاحها. ويوظف الماء في معلمة المجال وتحديده وتوفير شروط تعميره، والتأثير على أسلوب استغلاله. فبواسطة الماء تصبح الأرض منتجة أو قاحلة، مجردة من الموارد الطبيعية خالية من العمران. ولمقسمات الماء بين الأحواض النهرية تأثيرها على الغلاف الإثنوغرافي بالأطلس الكبير الشرقي، لأجل ذلك استغلها المستعمر في التقطيع الإداري، فوق أن القبائل استعملتها كحدود فاصلة بين المجالات الوظيفية.

وإلى جانب الماء يوظف الغطاء النباتي لتحديد خصوصيات المجال الوظيفي، إلا أنه ندر اعتماده في تحديد المجال الإداري، لتداخله مع عنصر الماء. وقبل ذلك، لم تبلغ جاذبية النبات في جلب العمران شأوا يضاهي جاذبية الماء والطوبوغرافيا. ومهما يكن من أمر، فضعف قوة النبات في تحديد خصوصيات المجال الوظيفي لا ينقص من كونها عنصرا لا يخلو من الأهمية في معلمة المجال وتحديد خصوصياته.

لا يمكن حصر الأماكن التي أخذت أسماءها من النبات وتحديدها، لأن منطقة الأطلس الكبير الشرقي غنية بالتنوع الحيوي وكثافته. لذلك يبدو من المفيد التركيز على الماء والنبات، بما هي أعلام لكثير من الأماكن. ففي جنوب واحة «تيعلالين» يوجد معبر يدعى «تيزي ن تفيراس» إما لوجود شجرة إجاص به، وإما لأنه ممعلم بها مادامت «تيفيراس» بالأمازيغية تفيد قسمات الوجه، وتفيد المعلمة. وفي شرق جبل «أمالو نتصالحت» فج «تيغانيمين» المنسوب إلى القصب. وهناك بجماعة امزيزل فج «أم تازارت» المنسوب إلى التين. وغير بعيد عنه تقع قرية «أملاگو» أحد مواطن جبر الضرر الجماعي. ويشكل «بوليلي» أحد روافد واد زيز بشرق الريش، و«أليلي» تعني شجرة الدفلى.

ومن أعلام الماء الموجودة بجبال الأطلس الكبير الشرقي نجد حامات «إمغي» التي أضحت تسمى حامات مولاي علي الشريف ابتداء من سنة 1984. وهي عين ساخنة تقع غير بعيد عن نفق «زعبل» بواحة «تيعلالين». وتعني «إمغي» النبتة أو الشتلة. وفي شرق جبل «أمالو» يقع مزار استشفائي آخر يدعى حامات مولاي هاشم. وغير بعيد عنها تتفجر عين أخرى تدعى «أغبالو ن لاربع»، لأنها تزار يوم الأربعاء شأنها شأن عين تيفيكرة غير البعيدة عن موقع «أموگر» التي تعني ملتقى الأودية، واد النزالة، واد «تيفيكرة»، واد «سوف گمار». وبشمال غرب مدينة الريش، وعلى بعد كيلومترين اثنين، تقع قرية «تاگرسيفت» التي تعني «بين الأودية»، حيث يلتقي بقربها واد زيز ورافد زاوية سيدي حمزة، وهي غير بعيدة عن مركز الريش. ويوجد بين حوض زيز وگير مقسم الماء يدعى «أحدجمي»، أي: العنق لأنه يدفع الماء من جهتي الغرب والشرق.

شكلت الثروة النباتية وغنى ثقافتها أساسا لاعتماد الشجر رمزا للتبرك بمحيط القرية الزراعية الجبلية، حيث تخصص كل قرية شريطا مبستنا يدعى«حوش القرية»، أو «إير إيزان»، أي: الشريط المبستن بالأمازيغية. ويمكن الشريط المبستن المحيط بالقرية من ضمان بعض الفسحة لأفراد القرية، النساء على الخصوص.

3-        المعمار بين الرمز والوظيفة

يعني الاستقرار، في الأمازيغية، احتلال المكان والارتباط به ارتباطا يرقى، في كثير من الأحيان، إلى مستوى الصحبة والملازمة. فالاستقرار يجسد العلاقة بين الإنسان والأرض. والمستقر «بكسر القاف»، أي: « أمدغر»، بالأمازيغية هو صاحب المكان. والمستقر «بفتح القاف» هو المكان الذي يضمن شروط الاستقرار، كالغذاء الطبيعي المباشر، عسل النحل، على سبيل المثال، أو الغذاء الزراعي، القمح الصلب والبصل وتمور النخل، والمحطب والمرعى الضامن غذاء الدواب. ونظرا للملازمة بين الإنسان والأرض، فإن الأمازيغ لا يميزون، بين المستقر بما هو اسم الفاعل والمستقر بما هو اسم المفعول. فالمكان والإنسان يحل أحدهما في الآخر. ولا غرو، فالأمازيغ أطلقوا اسم «إمدغر» على الوحدة الجغرافية المتجانسة الممتدة من «فم غيور» إلى مشارف واحة الرتب. وتعني «إمدغر» السكان المستقرين. ولقد سبقت الإشارة إلى أن الأمازيغ يطلقون أسماء عشائرهم على القرى التي يحتلونها.

والمسكن هو المكان الذي يسكن فيه الإنسان. يسكن، أي: يستقر ولا يتنقل. ولأن السكون يكون ليلا والحركة تحصل نهارا، لذلك تقدمت وظيفة السكون على وظيفة الحركة في اللغة العربية. ولا ندري ما إذا كانت للسكن الأمازيغي علاقة بالسكون. فالفعل «إزدغ» مصدره «أوزدوغ » يتصدره مقطع «إز» الدال على الحركة أو النسقية أو الامتداد(1). ويغلب على الظن أن للمسكن علاقة بكل الكلمات التي تفيد الامتداد في المكان، أو تفيد النسقية أو الدوران حول المحور. فالسكن بما هو نسق من البيوت والخلايا ممتد في المكان، غالبا ما يغطي محيطا حيويا يحوي التربة والماء والمنفذ إلى المحطب. إنه مجال وظيفي للقبيلة.

شكل القرية المحصنة مستطيل، في الغالب، ونادرا ما تجد قرية مربعة الشكل كقرية «تاشيشات» بجماعة امزيزل. ويحيط بالقرية المحصنة سور من جميع الواجهات، ويجمع بين الأبراج التي لا يقل عددها عن أربعة.

أ‌-          باب القرية

يقع الباب على الواجهة الشرقية أو الجنوبية، أو الجنوبية الشرقية، وقلّ ما يقع في الواجهة الشمالية أو الشمالية الغربية. فالوظيفة هي التي تحدد الواجهة التي يتموضع فيها الباب، وهي في الغالب الواجهة المقابلة للحقول الزراعية. وفي أغلب الأحيان لا تؤثر الوظيفة على اختيار واجهة الباب لأن المعتقد أقوى وأوثق من الوظيفة. لذلك فكل قرية لا يستقبل بابها القبلة بالمفهوم الديني «الشرق»، أو بالمفهوم الثقافي «الجنوب»، تنعت بقرية لا تحترم الطقوس والقيم. ويمكن للقرية الواحدة أن تفتح بابين على الأقل أو ثلاثة، أحدهما يوظف لغاية الزراعة، والثاني يستعمل لخروج الماشية نحو المرعى، والثالث باب القرية الرئيسي يستعمله المشاة، في الغالب، دون الدواب، لأنه باب مشرف ومقدس. ونسجل أن القرى التي تحتضن الزوايا أو مقرات لإحدى القيادات هي التي تحدث الباب الرئيسي، والأبواب الفرعية.

ويعد الباب رمزا مقدسا في القرية، يُحترم ويُزار ويُقبّل أحيانا. فمن خلاله تظهر مكانة القرية الدينية والحربية. والدين والحرب في قرى الجنوب الشرقي المغربي عامة وجهان لعملة واحدة. فالعصبية مرتبطة عضويا بالإيديولوجيا. وبمعنى آخر، فشرعية القرية تتأسس على العصبية وحدها أو على الإيديولوجيا أو هما معا. وعلى سبيل المثال، فالقرى التي لا تقوم على أساس عصبي لا يسمح لها بإقامة بنايات مرتفعة ذات أبراج عالية. وأما القرى ذات الغلاف العصبي، فإن بابها مستطيل الشكل أو مقوس، وأسوارها عالية وبروجها شامخة.

والباب حامل للرموز والقيم. قد تقدم له التحيات بالانحناء، وقد تذبح عليه الذبائح تكريما لأهل القرية، وطلبا للحماية والمؤازرة، أو وقف للقتال. ويحضر الباب في طقوس الزواج، حيث تقوم بعض القبائل بإخراج العرائس إلى خارج القرية الحصن، للطواف بها خارج الأسوار، بعيدا عنها. ولهذا السلوك دلالة خاصة، وهي إعلان أن سكان القرية بإمكانهم تحدي العدو. ولأن ليلة الدخلة الجماعية العشائرية للعرائس، ما هي إلا فاتحة خير لإكثار سواد الأسرة وتنمية قوة العشيرة، التي باتت تقاس بكثرة سواعد الرجال، فإن المناسبة لا تخلو من طقوس الانتصار. والباب بمثابة قوس للنصر في القرية الزراعية المتأثرة إلى حد بعيد بمعمار القرية الرومانية. ونضيف أن الباب المقوس يوحي بحضور الوازع الديني بالقرية، باب الزاوية الوكيلية، وباب الزاوية البكرية. ويرمز الباب المستطيل للحرب والدفاع عن المجال كباب قرية «تاماگورت» الذي اندرس في شهر غشت سنة 2013، فأعادت القبيلة بناءه، فهو جزء من هوية القرية، إن لم نقل، يتعذر تمثل القرية الزراعية تماكورت في غياب الباب. وفي حال مصادفة باب مستطيل بداخله شكل مقوس فإن ظَنُّك يميل إلى أن للقرية وظيفتين، دينية وحربية. وباختصار فالباب فضاء فسيح لرموزالثقافة غير العالمة.

ومما لا شك فيه، أن أهمية الباب كرمز محلي استدعت تكليف من يحرسه ويعتني به. ففي بعض القرى تنقطع لحراسة الباب عائلات بأكملها يطلق على كل فرد من أفرادها «البواب».

ويوجد خلف الباب مسجد للصلوات الخمس، ومدرسة قرآنية ودار الضيافة أو الزاوية. وإن كانت القرية قائدية مثل «تامنوگالت» بواد درعة، فإن منزل القائد ومقر إقامته يقع غير بعيد عن الباب الرئيسي للقرية.

ومحصل القول، لباب القرية الزراعية وظيفتان، إحداهما لا تتطلب الكثير من التوضيح. فكلنا يعلم أن وظيفة الباب هي النفوذ إلى داخل القرية والخروج منها. والوظيفة الثانية رمزية يستدعي قليلا من الحفر في دلالتها. وقبل ذلك يبدو من المفيد تسجيل بعض الملاحظات تمكن من الانتقال من الدور المادي والوظيفي للباب، إلى دوره المعنوي الرمزي:

- يفتح الباب صباحا ويغلق قبل غروب الشمس بقليل.

- يغلق الباب ليلا ونهارا إن أدرك حراس القرية أن خطرا ما يهددهم، هجوم مباغت أو منتظر.

- شكل الباب مستطيل أو مقوس أو مستطيل ومقوس معا، مستطيل بداخله قوس.

- يوجد مسكن القبيلة فوق الباب أو بجانبه، وهو مسكن يسمى في الغالب «تانصريت»، وتسلم مفاتيحه للبواب أو للبوابين إن كثر عددهم.

- ينحصر الباب، في الغالب، بين برجين للحراسة والمراقبة.

- توجد خلف الباب منصة الجلوس «تادوكانت» (Estrade) ابتغاء السمر والسهر والترويح في أيام الصيف.

ب – الساحات والدروب والزقاق

توجد بين السور الخارجي والسور الداخلي، في معظم القرى الزراعية، ساحة واسعة تطيق التجمعات والتظاهرات الاجتماعية، التي تنظم أيام الأعياد والأعراس وحفلات الختان. إنها مكان للأنشطة التجارية، وميدان السمسرة العمومية، وفناء يعرض به التجار المتنقلون بضاعتهم. تحتضن حفلات الأعراس، إن لم نقل إنها ساحات الفرجة، التي تنظم فيها، بين الحين والآخر، سهرات الشاعر «بوغانيم»، أي: «الزفان»، وسهرات الشاعر «أمدياز»، ويطلق على هذه الساحة الأسماء التالية: «أطراس»، «أحابور»، «أسراگ». وتعني الكلمة الأمازيغية «أطراس» الحاجز، وبالفعل ف«أطراس» وإن كانت تطلق على الميدان فهي محاطة بسور خارجي يشكل حاجزا دفاعيا للقرية، ويعني الحاجز كذلك «أتراس»، أي: المدافع، وأما الكلمة «أحابور» فتعني الفضاء الواسع. وتعني «أسراگ» الفضاء، وهناك من يطلق على الحاجز «أطراس»«إفيس». وبقطع النظر عن أسماء الساحات ودلالتها، نسجل أنها بمثابة الفوروم [Forum] في المدينة الرومانية. وتتموضع هذه الساحات، في الغالب، في الجهات الجنوبية، والجنوبية الشرقية، والشرقية من القرى الزراعية المحصنة، لغاية الاستفادة من أشعة الشمس. وتمتد من هذه الساحات الدروب والأزقة المنسوبة للعشائر المتعايشة في فضاء القرية الزراعية. وفي حال اللاتجانس العشائري توظف الأزقة لبعض الغايات المذكورة، الأعراس، الفرجة.

ج‌-        المنزل في القرية الزراعية المحصنة

السكن في القرية المحصنة متجانس من حيث الشكل والمعمار والتصميم والوظيفة. فالبيوت السفلى موظفة للاقتصاد الزراعي، خزن التبن والأعلاف والحطب وربط الحيوانات. وأما بيوت الطابق الأول فهي لاقتصاد الأسرة، قد توظف للطهي والاستراحة والنوم وخزن الحبوب والشحوم والفواكه اليابسة والزيوت والعسل والصوف والوبر والسمن. يحوي الطابق الأول في الغالب ثلاث غرف: غرفة الكانون «المطبخ»، والخزين «لهري»، وغرفة الضيوف «المصرية». وأما الطابق الثاني فيشتمل إلى جانب السطح على غرفة النوم.

-           الإسطبل أهم خلايا الطابق السفلي

الإسطبل مربط الحيوانات وهو أيضا موضع للتحويل البيولوجي للنفايات المنزلية، وهو بمثابة كنيف للتبرز، وقد بجري ذلك من المطبح في الطابق الأول من المنزل حيث يتوسطه ثقب خاص برمي الأزبال. يغلق الثقب بسدادة حجرة مسطحة أو إناء خزفي قديم يمنع صعود الرائحة الكريهة إلى مقام الأسرة ومراقدها. والإسطبل بمثابة قمامة بيئية يشكل الثقب فوهتها: فإن كان الزبل في القمامة العادية، يحتفظ به لحظيا إلى أن يشحن ويفرغ في أحد مطارح المجال المعمر، فإن النفايات المنزلية في إسطبل المنزل بالقرية الزراعية تتحول إلى مادة عضوية صالحة للنباتات، وتساهم في دورة الحياة الزراعية والنباتية.

-           الكانون وثقافة النار

الكانون والنار وجهان لعملة واحدة بمنطقة تازمامارت. وللنار دور هام في بناء النسق الثقافي. ولا غرو، فهي واحدة من الجبابرة الثلاث التي تؤثر في حياة الإنسان. وإذا كان مفعول النار الرمزي والوظيفي يتجاوز كثيرا تأثير الرياح، فإنها لم ترق بعد إلى مستوى الماء الجبار المقدر والمُزار في معظم النقط العمرانية الجبلية. وبالمقابل تشعب مفعول النار واخترق معظم الحقول الثقافية وأضحى أداة للتطهير الفعلي للمواقع ووسيلة للتطبيب والاستشفاء واستحضار أرواح العالم الماورائي. وليس هناك ما ينقص من قيمة النار في شيء، ذلك أن غيابها النوعي في لائحة المزارات الطبيعية والبشرية يعود فقط إلى حضورها في الطبيعة بالقوة، بينما للماء والصخر والنبات حضور بالفعل. وللنار في الوجود الفيزيقي والماورائي مفعولان اثنان: مفعول ضروري مرغوب فيه، يوظف في التدفئة والطهي والتطبيب ومفعول غير مرغوب فيه أفرزته علاقة الجماعة الإنسانية بالنار. وقد ظهر الكانون كخلية سوسيولوجية يفيد الأسرة أو المنزل، وفي العصر الوسيط أو بالأحرى، عصر نظام السخرة، والاستفادة من الريع الطبيعي شكل الكانون وحدة إحصائية لجمع الضرائب. وقبل ذلك تقاس قوة القبيلة بما تملكه من كوانين.

لا يزال الفضاء الذي خلقته النار بعيدا عن كل حفر وتنقيب. ومعلوم أن لهذا الجبار ذي القوة الرمزية والوظيفية هالة كبيرة، لا بد من الإحاطة بها وملامستها وتعميق النبش فيها. فالعلاقة بين الجبار الطبيعي والكائن البشري علاقة غير متكافئة، لأن وقعها لا يختلف كثيرا عن وقع الشيوخ والقواد كالشيخ إبراهيم يسومور والقائدين عدي وبيهي والتهامي لگلاوي. وليس هناك من شك يخامر أي نفس في كون البحث في مصادر القوة والجبروت مدخلا لبناء مجتمع شجاع يخلو من الخوف والإرهاب.

- الكانون ودلالته: يطلق على الكانون بالأمازيغية «ألمسي»، ويعني صاحب النار «تيمسي» أو موقد النار. ولم تعد كلمة «تيمسي» متداولة بكثرة بفعل تأثر المنطقة بالمحور التجاري سجلماسة/ فاس، حيث أضحى الكل يود أن يوظف الكلمة العربية العافية نظرا لدلالتها الأخلاقية.

يستعمل الموقد لطهي الطعام وللتدفئة أيضا، ويحتل مكانه في أحد بيوت الطابق الأول بالقرية الزراعية المحصنة. والطهي مفعول ثانوي للموقد في الموسم البارد. وقرينتنا على ذلك أن ضيوف فصل الشتاء يقتنعون بما يوفر لهم المستضيف من الدفء. وللكانون مفعول سوسيولوجي حيث يحتضن أفراد الأسرة الواحدة ويشكل موضع التشاور وتدبير الشأن اليومي، فوق أنه وحدة ديموغرافية كانت من قبل تشكل أساس القوة الزراعية أعني أن عددا من الكوانين يوازيه منتوج زراعي واعد، وقوة حربية تضمن الانتصار.

- النار والسمر

للنار ذكر في مختلف ذكريات فصل الشتاء بمنطقة تزمامارت. وليس من المبالغة في شيء قولنا: إن ما يقصه الراوي من القصص، وما ينشده الشاعر من الأناشيد، وما يسمعه القوم من الألغاز، وما يخططه المخططون من خطط وما يدبر من تدبير، يجري في حلقة الكانون. فالنار، بعبارة أخرى، فضاء الإبداع والاشتغال والابتكار. ولا شك يخامرنا في كون ليل النار أكثر دلالة من نهارها، فمفعولها الليلي مغلف بالرمز ومفعولها النهاري وظيفي فقط.

-           السطح أهم خلايا الطابق الثاني

السطح جزء علوي من المنزل يلعب دورا بيئيا مهما في القرية الزراعية. ففي فصل الشتاء يستغل في التشميس، وعرض الملابس والأقمشة والأغطية لتسلط عليها الأشعة. ويستغل في فصل الصيف في تجفيف الفواكه، «المشمش، الخوخ، التين» والخضر «الجزر، اللفت، الفول، الفاصوليا»، والنباتات الطبية والصناعية وحطب التدفئة. وفي السطح يوجد ثقب يدعى «تين إبا» أو «إينيفيف»، أي: المصفاة بالأمازيغية، وهو بمثابة نافدة لتسرب الضوء وأشعة الشمس إلى المطبخ، وهو أيضا فوهة لخروج الدخان والرائحة الكريهة إلى خارج المنزل.

تستعمل هذه النافذة لمعرفة المواقيت «الضحى، الظهر، العصر» طيلة المدة التي تدخل فيها أشعة الشمس المطبخ. وتوظف في معرفة فصول السنة حيث تمكن هذه النافذة من ضبط الانقلابين الصيفي والشتوي والاعتدالين الخريفي والربيعي. يتنقل الإشعاع المتسرب من النافذة من الغرب إلى الشرق خلال النهار، ومن الشمال إلى الجنوب خلال النصف الأول من السنة، ومن الجنوب إلى الشمال خلال النصف الثاني. فالثقب بمثابة مزولة لقياس المواقيت وفق الحركة المعاكسة لحركة الشمس الظاهرية، فهو محدد لفلك البروج بشكل منعكس. يسمى الإشعاع الشمسي المتسرب إلى البيوت في الأمازيغية ب «أعقيد» أي اللهب الشمسي، حيث يشكل نطاقا مشمسا بداخل المجال المغطى يتنقل عكس حركة الشمس الظاهرية.

والسطح أيضا مرصد فلكي. لأنه يمكن من رؤية كل القبة السماوية في الليل. ففي السطح يمكن رؤية الهلال، إن لم تكن عشيته عسيرة أو ممتنعة. وفي السطح يضبط وقت السحور خلال شهر رمضان الذي يتغير موعده كل سنة بمرجع التقويم الشمسي. فكلما صادف رمضان الفصل البارد يحدد وقت السحور بحركة كوكبة الجوزاء الظاهرية في السماء، أو الثور أو الثريا، وفي الفصل الحار يحدد وقت السحور بحركة درب التبان أو العقرب.

د – الترتيب العشائري للأزقة

يقسم فضاء القرية الزراعية بمنطقة تزمامارت إلى فضاءات عشائرية. فمن خلال الترتيب العشائري للأزقة تصنف العشائر وفق شجرة نسب سكان القرية، إن صح أنهم ينحدرون من جد واحد. وإن في القرى غير المتجانسة إثنوغرافيا نطاقات عشائرية إثنوغرافية. وإنك تجد في ظهر القرية وبجوار سورها الخارجي أقليات عرقية تشكل حزاما بشريا أمنيا للأغلبية. فإذا ما تمكن العدو من اقتحام القرية من ظهرها فإنه يبدأ بالتنكيل بسكان الأقليات، ولن يبلغ المركز إلى أن يحصل تدبير هذا الشأن بالهجوم المضاد، أو يأتي الله بالفرج. ولكل عشيرة من عشائر الأغلبية نطاقها وزقاقها وبابها المفتوح على ساحة القرية الفاصلة بين السور الخارجي والسكن المتراص.

وخلاصة القول فعلى الرغم من تواجد كل هذه المكونات الرمزية والسوسيو ثقافية بالقرية الزراعية المحصنة بجبال الأطلس الكبير الشرقي، فإن المجال المعمر بالسكن المتراص في طريق الانهيار لأن السكان فضلوا الخروج من القرية الحصن لبناء دور مستقلة بالهامش مما فجر مشكل الأرض الجماعية، وذاك واحد من مظاهر التحولات القروية