...بعد أن احتسى قهوة الصباح الطازجة، عاد يشعر بالأمل، وتذكر الخبر العلمي الذي قرأه مؤخرا في آخر عدد من صحيفته اليومية المفضلة، فأراد ان يثير اهتمام زوجته ، ويعيد لها دهشتها وحماسها ، فألح أن يقرأ عليها الخبر مستغلا تجاوبها الفريد: "تم في ايطاليا مؤخرا اكتشاف كهف منعزل لم تدخله أشعة الشمس منذ خمسة ملايين سنة، وقد وجدت فيه انواع غريبة عديدة من الحشرات، وقد تأقلمت على الحياة بجو كبريتي خانق، وقد وجدت فيه بعض العناكب  الفاقدة للأعين وهي تصطاد فرائسها بواسطة نظام راداري يشبه اسلوب الخفاش  الأعمى"!

واستدرك البرفسور وجه الشبه في الحالتين:

-         هل لاحظت؟ نورا وقالها بتحبب واضح لكي يستميلها وتابع:

-         نحن نكتشف هنا بؤرة شبه كبريتية غامضة  فوق سطح الأرض في بقعة مجهولة، وكما تأقلمت الحشرات في الكهف الايطالي المهجور، فهي تتأقلم ايضا هنا بجو مماثل تقريبا  وتنبت لها عين ثالثة  وتفقد سمعها وتتوحش! يا للتماثل والتناقض! وبالرغم من تودده المصطنع ، فلم تبد الزوجة تجاوبا متوقعا، الا انها قالت وكانها تحادث  نفسها، وقد لمع فجأة بوجهها الجميل تعبير اصغاء عميق، وقالت متأملة وهي تسرح بفكرها ونظرها:

-         اذن فأنت تكتشف ورفاقك أشياء مثيرة للاهتمام، وأنا ساستمتع كثيرا من زيارة مدينة عالمية مذهلة كنيويورك ، وبينما تقوم انت ورفاقك بعرض نتائج اكتشافاتك المثيرة للدهشة، سيتاح لي أخيرا وقت كاف لزيارة معالم هذه المدينة الاسطورية ولزيارة متحف الفن الحديث، ولمشاهدة الأفلام الجميلة والمسرحيات الرائعة، والاطلاع على احدث تقليعات الموضة ، ومن يدري فربما  تحدث لوحتي  المستوحاة من هذه البيئة السيريالية مفاجأة حقيقية غير متوقعة وتلقى رواجا وشهرة؟!  كما انها قد تشكل الهاما مستمرا وتشعل مخيلتي الفنية فأرسم بعدها عددا من اللوحات الجديدة التي تستوحي تجربتنا المريرة هذه! فحادث مراد نفسه بسرور :

-         رائع حقا ...فقد نجحت اخيرا باثارة اهتمامها وموهبة الرسم الابداعية لديها، فقد اكتشفت فرصة نادرة وبعدا واقعيا وانتفاعا من هذه التجربة المجنونة في قعر الجحيم الافريقي هذا. وبدت نورا وكأنها ذهبت بمخيلتها بعيدا لمكان آخر، فقد مدتها هذه الأفكار الجديدة بحوافز وجدوى، وبدأت تتحمس للانغماس بالتجربة، فأشرقت عيناها الخضراوان، وتخيلت مؤتمرا صحافيا فنيا لتدشين لوحتها، وبدأت تحضر ذهنها للاجابة على بعض الأسئلة، بالتأكيد ستقول انها دعمت فكرة زوجها تماما ودون تحفط ومخاوف، كما أنها شجعته على اصطحاب الأطفال بالرغم من خطورة المكان، بهدف توسعة آفاقهم وتأجيج حس المغامرة والاكتشاف لديهم..وستبالغ وتقول أنها  كانت تدفعه دوما لشاطىء الأمل عندما تراه يكاد يغرق في بحيرة اليأس!  كما انه ستقول بأنها رأت في المكان الغريب جمالا وحشيا خاصا ألهمها لابداع لوحتها التي ستسميها " العين الثالثة "، وربما كانت محقة تماما في جملتها الأخيرة هذه.

         

...ولكنها عادت بسرعة لواقع حياتها ، وتذكرت منظر الأصيل ورعشة المساء الساحرة في شرفة منزلهما ، كم تحن حقا للعودة لتلك اللحظات، وكم يجب على المرء أن يقدر اللحظات الجميلة بحياته! وفي المساء حاولت ان تضحك لطفليها وهي في أشد الحاجة للبكاء، كما ابتسمت لزوجها وقد ندمت لأنها ارهقته بنكدها الدائم، ثم قدمت عشاء متواضعا مكونا من حساء الخضار المعلبة وبعض الأرز وخبز القمح ...وتناولوا الطعام بشهية وقد قارنوه بسخرية بوجبات الافطار الرمضانية العامرة !

مهند النابلسي

كاتب وباحث وقاص