حسن السوسي

 

وحيدة جاءت الى الشاطىء. كانت تمشي الهوينى، ولا تفارق عيناها مسارا واحدا، كأنهما تحددان بذلك مواطىء لقدميها. مشيتها توحي بأنها غارقة في التأمل أو التفكير في شيء ذي بال يؤثر على خطوها تثاقلا بل وربما ترددا في بعض الأحيان.

كانت تحمل في يدها حقيبة جلدية صغيرة، وكيسا من البلاستيك، وعلى كتفها فوطة كبيرة. ورغم أن الشاطىء مليء بالمستحمين، وضاج بحركة الناس، فإنها لم تلتفت، ولو مرة واحدة، يمينا أو شمالا، وإنما ركزت نظرها على اثر تلاحق قدميها على رمال الشاطىء. أو على الأقل لم يلمح حميد تلك الشابة وهي تقوم بأي حركة من تلك الحركات.

استلقت الفتاة على ظهرها، بصورة تلقائية وبهدوء، على الرمال الشاطئية الدافئة، شاخصة ببصرها نحو السماء التي تغطي شمسها، بين الفينة والأخرى، غيوم رقيقة، تكاد تكون شفافة، واجلة خفيفة تستعجل الابتعاد عن عين الشمس اللاهبة، كما لو كانت ترغب في اتقاء لفحها، يائسة في التحول إلى ديمة تداعب أوراق الشجيرات النادرة على طول الشاطىء، وتروي عطش الأرض الذي زادته ملوحة مياه البحر جبروتا وفتكا، بكل مظاهر الحياة. شح الطبيعة على نفسها، نوع من القسوة القاهرة. بل هو نوع من التدمير الذاتي المتعمد والغريب . الجو حار جدا، في مثل هذا الوقت من السنة، وكانت الشمس في كبد السماء مما أسبغ على حرارتها قوة لفح اضافية.

كان عليه أن يغادر لاسباب عائلية بلد اقامته الذي يتميز بنوع من الرحمة، والرأفة بالناس، في فصل الصيف. هو نوع من التعويض، ربما، عن شدة برد فصل الشتاء الطويل، في هذه البلدان. لذلك وجد نفسه مضطرا ومكرها، على تحمل لظى هذه الحرارة بإذعان ما بعده اذعان، بمجرد ما وطئت قدماه مدينة الرباط قبل أسبوع من الزمن، استعاد حميد علاقته الطبيعية مع طقوس الحرارة التي مارسها لأكثر من ثلاثة عقود قبل أن يشد الرحال في ظروف استعجالية كارثية نحو بريطانيا. الطقس ليس بالسيء، إلى هذا الحد، بالرباط، رغم الرطوبة العالية، التي تتميز بها المدينة والتي هي مزعجة، في الواقع، ربما، أكثر مما هي مؤذية. وفي كل الأحوال، فهذا ما يفكر فيه عامة الناس. وحميد يميل، في بعض الأحيان، إلى ترجيح كفة مثل هذا النوع من التفكير على غيره خاصة، إذا أراد أن لا يغرق نفسه في اشكالات علمية قد يؤرقه السعي، غير المجدي، في الحقيقة، إلى فك ألغازها ورموزها. والحال، أنه في أجواء العطلة، وعليه أن يستفيد منها، ما أمكن، لأنها فرصة نادرة، للاستجمام. وقد لا تسنح له فرصة مماثلة، في الوقت القريب.

وفي الواقع، فإن لحميد من القصص ما لا يكاد ينتهي منذ ثلاثة عقود. إذ ما يكاد يقنع نفسه أنه ذاهب في عطلة قصيرة أو طويلة، حتى يتم وضع حد لها بشكل مفاجىء. السبب دائما هو، هو. عندنا نقص في طاقم العمل، في الجريدة، إذا كان يشتغل في جريدة. لا بد من حل مشكلة طارئة، في المجلة، إذا كان يعمل في مجلة. الفضائية بحاجة ماسة إلى عودتك، إذا كان منخرطا في الاعلام المرئي. قصة ملء الفراغات ربما. أهمية حميد تتزايد بقدر ابتعاده الجسدي، وتتناقص بقدر اقترابه. معادلة غريبة، في الحقيقة، لكنه أصبح قادرا على التعايش معها، إلى هذا الحد أوذاك. ثم فليس لديه وقت يبذره في مواجهة ما أصبح بالنسبة إليه نوعا من المصير الذي لا يد له فيه، ولا حول له عليه.

في مرة من المرات برمج حميد أيام عطلته التي كانت ستدوم مبدئيا واحدا وعشرين يوما. قرر أن ينطلق من مدينة القنيطرة التي لا تبعد إلا بأقل من أربعين كيلومترا من الرباط. كان يرغب في تمضية يومين أو ثلاثة أيام مع أحد أصدقائه الذي يمارس مهنة المحاماة. ثم يتوجه إلى مدينتي مراكش وأغادير وإذا استطاع زيارة مدينة الصويرة الساحلية فقد يسعده ذلك كثيرا لاحتفاظه بذكرى طيبة عن المدينة عندما زارها لأول مرة قبل عشر سنوات.

غير أن الأمور لم تجر على الشكل الذي قرر لها أن تجري عليه. فلم يكد يمضي ليلة واحدة في القنيطرة حتى تلقى اتصالا من ادارة الجريدة التي يعمل بها لإبلاغه أن أمر عودته إلى العمل وتأجيل عطلته إلى ما بعد لا بد منه لأن أحد الزملاء مريض ولا يمكن له المداومة وتعويضه.

شعر حميد بندم، ما بعده ندم، لأنه أخبر الزملاء والادارة معا عن وجهته في أيام العطلة المغدورة. لكن لا جدوى من الندم وما عليه إلا التوقف عن التفكير في الاستجمام والعودة فورا إلى الرباط لاستئناف طقوس الذهاب والاياب بين شقته في زنقة غانا في حي المحيط وشارع الحسن الثاني حيث مقر الجريدة.

لم يخرجه من دوامة هذا التفكير، غير المجدي، في ما كان سيكون عطلة إلا اختلاسه نظرة سريعة إلى الفتاة الشابة، التي ما تزال مستلقية على ظهرها. هي الآن تداعب بيديها حبات الرمل الصافية التي تنعكس عليها أشعة الشمس فتضفي على الأشعة المنبعثة منها ألوانا بلورية تضاهي الذهب في قوة نصوعها. أراد أن يبعد نفسه عن هذا المنظر الذي يملك قوة جذب هائلة، ليس بإمكان أي كان مقاومتها. فكر في تغيير مكان جلسته على هذا الشاطىء الذي يبدو أنه ممتد إلى ما لانهاية خاصة أنه لا يعرف حقيقة المدينة التي يزورها لأول مرة. ويبدو أنه لن يعرفها في يوم من الأيام إذا ظلت زياراته إليها زيارات صيف التي لا تكون في العادة وفي زمنها إلا على شاكلة صمود سحابة الصيف العابرة. لكنه لم يغير مكانه. بدأت عيناه تنجذبان رغما عنهما، ربما، بقوة نحو السيدة على الرمال، وقد بدا من هيئتها انها رغبت في اشباع جسدها من أشعة شمس متوثبة لولوج كل ما يتاح لها من فتحات في ذلك الجسد البض الناعم. تراءى له أنه يلامسها، من بعيد، ويناجي جسدا كل مسامه آذان صاغية، بمناجاة سرية توصل أنينه الى مستودع، وملاذ تلك الأشعة، الحصين المكين. ود في قرارة نفسه لو تبادل، مع أشعة الشمس، المواقع والأدوار ولو للحظة خاطفة واحدة. غير أنه مدرك، تمام الإدراك، أن غيرة تلك الأشعة لا تقل قوة وجنونا من غيرة أي عاشق على معشوقته ولو أن الغيرة قد تفتح، وغالبا ما فتحت على أصحابها أبواب جهنم متى تجاوزت حدا معقولا.. الغيرة مع الحد المعقول، ها هو ذا مفهوم غريب آخر، يجد طريقه إلى قاموسه اللغوي الخاص.

الغيرة المعقولة؟ فأنى لها أن تكون معقولة وهي بنت اللامعقول وسليلة الجنون أو ما يقرب الجنون. ألم يسمع بقصة ديك الجان؟ هاله هول التفكير بهذه الطريقة التي هي أقرب إلى الهلوسة والهذيان منها إلى تفكير سوي. لكنه تمنى من أعمق أعماقه لو تقبل الأشعة إخلاء المكان حتى يكون الذات التي تملأ فراغا لا تقبل به الطبيعة في كل الأحوال. أهي استغاثة؟ لكن من ماذا؟ أهو توسل؟ لكن بأية غاية ومن المتوسل إليه؟ فالجسد الممتد على الرمال جسد غريب، وهو لا يؤمن بأي شكل من الأشكال بعالم المثل حتى يزعم أن روحه تعرفت على روح الفتاة في ذلك العالم قبل أن تدفع بهما قدرة ما دفعا إلى التلاقي على رمال هذا الشاطىء، وفي عز هذه الظهيرة التي كاد دماغه يغلي من شدة قيظها. فربما تعرفت على جسدها رمال الشاطىء ورقت له ورق لها قبله وأكثر منه. ربما للوهم سلطة كبيرة على الواقع وأشيائه. لكن لماذا يتشبث هو المعروف بنزوعه العقلي الديكارتي بالوهم؟ وهل كان ديكارت ديكارتيا حقا؟ إنه يشك في ذلك تماما. خيل إليه أن الوهم هو سيد الموقف وهو الذي يرسم الحد الفاصل بين الواقع واللاواقع. الوهم هو الواقع، وغيره ليس شيئا على الاطلاق. لكن ما هو الوهم بالذات؟ أحس بنفسه يتوغل في المجهول، كما لو أنه خاف الفضيحة، فتراجع عن الخوض في هذا التفكير الذي لا جدوى ترجى منه خاصة في هذا الفضاء المفتوح على الأفق وبجانب هذا الجسد المتناسق الذي يكذب كل أوهام غض الطرف. فلا بد مما ليس منه بد. هكذا استعاد حميد ناصية تفكيره الذي أصبح أفقه على درجة كبيرة من الضيق بحيث لا يكاد يتجاوز بضعة أمتار. بل يمكن القول: إن هذا الأفق قد ضاق بحيث لم يكن قادرا على تجاوز جسد المرأة التي ما تزال منشغلة بعلاقات جسدها الحميمية بأشعة الشمس دون أن تعير اهتماما إلى عشرات العيون التي يجتذبها الشباب والنضارة في غفلة عن رقيب الزوجة أو العشيقة أو القريب. ولا أحد منهم فكر، في تلك الساعة، في الرقيب الدائم كما لو أن الأمور لا تدخل ضمن مجال اختصاصه.

التحقت بها رفيقة لها دون ان ينتبه الى ذلك. أخرجه من شروده ضحكاتهما التي تعالت فجأة. هما اثنتان الآن وليست واحدة فحسب. هكذا قال حميد في نفسه بنوع من الغيظ الذي لم يتبين في الحقيقة سببه ولا غايته، إن كان له سبب وغاية. فهو لم يمن نفسه بشيء مع الأولى حتى ينزعج أو يضجر من دخول الثانية الى المشهد. فما مصدر هذا الضيق الذي داهمه إذن؟

رأى انه من الأفضل تجاهل القضية برمتها لأن أي حركة تبدر منه قد توحي للفتاة الثانية أن لرفيقتها شأن ما معه وهذا غير صحيح، بل إنه لم يكن ليفكر حتى في هذا الاحتمال.

وبينما هو يحاول اقناع نفسه بحسن سريرته وانه لم يات ما يمكن ان يعاتب عليه نفسه خاصة انه لم يطلع حتى على وجه المرأة بشكل يجعله يتذكرها لو رآها مرة أخرى، جذبت عينيه حركة من الفتاتين معا في آن واحد انتهت بعناق عنيف وقبلة مديدة جعلته يفرك عينيه مرات متتالية لتبين حقيقة المشهد وليتأكد من كونه في كامل وعيه.

لا شك في المسألة إذن. إنهما عشيقتان كانتا على موعد غرامي فوق هذا الشاطىء الهادىء وفي هذا اليوم شديد الحرارة.

ليست هذه هي المرة الاولى التي يجد نفسه فيها أمام مشهد مماثل. فهذا مشهد مألوف في جل البلدان الغربية التي زارها حيث لم يعد هناك أي غضاضة في ابراز الميولات الجنسية للشبان والشابات في واضحة النهار. غير أنها سابقة بالنسبة لبلاده الشرقية، وبالنسبة إليه على كل حال. هو يعرف أنها ظاهرة اجتماعية ليست حكرا على مجتمع دون آخر، لكنه لم يكن يعتقد أن هذه الظاهرة أصبحت مما لا يدعو إلى التستر في بلد مثل المغرب.

فجأة علا صراخ شديد يخترق عنان السماء. انقلبت حياة الهمس والتسار والقبل والضحكات، التي تنم عن الانشراح واللذة، إلى عويل وزعيق بدا أنه لن يعرف نهاية قريبة. هو تعبير عن الألم والغضب والشعور بالوهن والضعف في آن واحد.

كان المشهد مثيرا حقا: امرأة تحولت، في رمشة عين، إلى لبؤة كاسرة مفترسة، حقيقة ومجازا. كانت ماتزال ممسكة بشعر رفيقتها تجره إليها جرا عنيفا وتغرس بين الفينة والأخرى أظافرها في وجهها الذي تحول في لحظات إلى مستنقع دماء.

فكر في البداية بالتدخل لوضع حد لهذه المعركة المفاجئة والتي لم يكن مرح الرفيقتين العاشقتين ينبىء بهذا التطور الدموي بكل المعاني. لكنه توقف حتى عن التفكير في التدخل في شأن لا يعنيه.

قال في نفسه الحمد لله أن فضة لم تكن قريبة من هذا المشهد الذي كان لا شك سيثير فضولها، ولن تتردد مثله في التدخل. هو يعرفها جيدا لا تستطيع التمالك أمام مثل هذه المشاهد كما لو أنها تبحث عنها بمجرد ما تغادر البيت إلى العمل أو إلى السوق سواء بسواء. كم مرة آخذها حميد على هذا الفضول الذي ينطوي على أكثر من خطورة لا سيما أن هناك حالات يتم فيها افتعال الخصومات للايقاع بأصحاب الفضول الذين ينتبهون، بعد فوات الأوان، إلى أن ساعاتهم الذهبية أو حافظات نقودهم قد انتقلت ملكيتها إلى أحد المتخاصمين المزعومين إذا لم تكن النتيجة تغيير الوجهة التي يقصدها هذا المتطفل،( وهذا اسمه الحقيقي،) نحو المستشفى لترميم ما تبقى من هيكله والعمل على معالجة كدماته وجروحه والتخفيف من آلامها المادية والنفسية.

لكن ما لبث أن شعر بأن الهدوء قد عاد إلى حالته السابقة وأن ما كان ساحة معركة دموية شرسة قد استعاد مظاهر العشق الجارف: عناق أكثر حرارة، قبل أكثر دفئا وعنفا، تداخل بين الجسمين كما لو أنهما قد تحولا إلى كيان واحد في منظر يشي بانصهار روحين بشكل فريد.

هل تلك بعض من الطقوس المستجدة في التعبير عن العشق والاندماج الروحي؟ تساءل حميد، وهو لم يتحرر بعد من أثر صراخ الألم الذي داهم أذنيه قبل دقائق معدودة؟ لم يجد أي جواب مقنع لهذا السؤال. وهل هناك جواب أصلا؟ ففي الطبيعة البشرية من الرموز والطلاسم ما هو مستعص على التفسير والقراءة وربما هذا المشهد من جنس تلك الرموز والطلاسم. فلا داعي، إذن، لمحاولة تفسير ما ليس قابلا للتفسير ربما.

# مقطع من رواية قيد الإنجاز