المهدي مستقيم

 

يقود عبد الله العروي مشروعا ضخما أطلق عليه اسم «التحديث التاريخي»، وذلك من خلال مجموعة من الكتب شرع في نشرها منذ العقود الأربعة الماضية، وهذا ما يؤكده قول عبد الله العروي نفسه: «إن ما كتبته إلى الآن يشكل فصولا من مؤلف واحد مفهوم الحداثة». ويهدف هذا المشروع إلى نقد أشكال معينة من النزعات التراثية (النصية، الدوغمائية، نزعات الارتداد) فالرجوع إلى الماضي، حسب العروي يشكل آلية سيكولوجية تعويضية وحنينا رومانسيا.

ويسعى العروي من خلال مشروعه هذا إلى دحض ونقد التوظيف السياسي للتراث، فهو أكبر دعاة الحداثة السياسية في الفكر المغربي والعربي المعاصر، والانخراط في استيعاب مكاسب الحداثة، فالحداثة حسبه سيرورة تاريخية لا مفر منها، سواء كنا معها كأنصار للتحديث أو ضدها كأنصار للتقليد و»هي بطبيعتها تسير وفق حركة جدلية: إنها في الوقت نفسه حركة تغيير كونية واختلافية داخل كل مجتمع، وبالمقارنة مع الخارج».

وفي كل كتاباته يبين، أنه من أجل تجاوز واستدراك تراجعنا التاريخي لابد من تملُّك روح الحداثة، وفكر الحداثة انطلاقا من نموذج الحداثة الأوروبية، خاصة عقلانية القرن التاسع عشر وفلسفة الأنوار، ومن ثمة فهو يدعو إلى استيعاب مقومات ومكاسب العقل الحديث من عقلانية وتاريخانية ونسبية وفردانية، والتمييز بين إيديولوجيا وسياسة الغرب الحالي، والفكر الأوروبي العقلاني الحديث ذاته، أي بين المنهج والأيديولوجيا.

وآثر عبد الله العروي أن يجعل مشروعه هذا يتمشى على رجلين: الأولى تجري في عروقها دماء التاريخ، والثانية دماء الفلسفة، وكأن بعبد الله العروي يمتلك قبعتين: قبعة الفيلسوف الذي يمارس نقدا فلسفيا منطقيا حادا، باعتماد لغة منطقية فائقة التجريد، وقبعة المؤرّخ، الذي يملأ صندوق عدته النظري من الواقعات لا من الأفكار. وهو في ذلك لا يختلف عن مجموعة من المفكرين الذين نجدهم يزاوجون بين الفلسفة والتحليل النفسي مثلا، أو بين العلم والميتافيزيقا، أو كما جرت العادة بين الفلسفة واللاهوت. ذلك أن النتائج التي يقدمها البحث التاريخي لا تشفي غليل عبد الله العروي، ولا تحقق له الإشباع المطلوب، لذلك نجده يهاجر باستمرار أرض التاريخ ليطأ أرض الفلسفة، الأرض الوحيدة التي تتيح له مواجهة الأجوبة التي يبنيها البحث التاريخي، بأسئلة ذات طابع فلسفي نقدي منطقي صارم، أو بالأحرى ذات طابع ميتافيزيقي. ويرجع اختيار عبد الله العروي مباشرة هذا المنعرج، إلى كونه لا يجد ضالته في التحليلات ذات الطابع الإطلاقي الأبدي، بيد أن التاريخانية التي اختارها منهجا لمشروعه، بما هي طريقة متواضعة تفضل العمل على التأمل، تمتنع عن تقديم أجوبة تنهل من مخاض فلسفي، اللهم إلا إذا سلكت هذه الأجوبة الطريق التي يقترحها البحث التاريخي.

لماذا أقنع عبد الله العروي نفسه بأن التاريخانية قدر أكثر منها اختيارا؟

سؤال جوهري بالإضافة إلى أسئلة اخرى يقترح علينا عبد الله العروي توضيحها والخوض في ثناياها، على امتداد مئة وثمان وستين صفحة، بأسلوب ممتع وشيق في كتابه الأخير: «الفلسفة والتاريخ» الصادر حديثا باللغة الفرنسية عن منشورات المركز الثقافي للكتاب، بالاشتراك مع منشورات لكروازيي دي شومان (2016 ).

وقد تدفع بعض الإشارات التي خطها عبد الله العروي في مصنفاته، العديد من الباحثين إلى الاعتقاد بأنه يقدح النظر الفلسفي ويرفضه كتخصص معرفي، ويمكننا أن نحيل في هذا الصدد إلى ما كتبه عبد الإله بلقزيز في كتابه: نقد التراث حين قال: «ولعل هذه الطريقة في مقاربة مسائل العقل في الإسلام صلة بالموقع الذي يتحرك فيه كمفكر: موقع المؤرّخ، أي الباحث الذي عدته الأساس من الواقعات لا من الأفكار. وهذا موقع معرفيّ يعرِضُ صاحبه، على الأغلب، عن التفكير في الماهيات تفكيرا نظريا: فلسفيا أو تأمليا، لينصرف إلى التفكير في الظواهر المادية والعلاقات، بما هي وحدها الموضوعات التي يمكن إنتاج معرفة بها. غير أنَّا لا نملك، في الوقت عينه، أن نغفل حقيقة طالما أفصح عنها عبد الله العروي نفسه، في مناسبات مختلفة، وهي قدحه في النظر الفلسفي، وإباؤُهُ إياهُ طريقةً مناسبة للتفكير في قضايا المجتمع والتاريخ، وعدُّه النظرَ هذا ثرثرة جوفاء لا طائل منها». وحين قال: «والحقُّ أن كثيرا من الباحثين في ميدان الفلسفة، أو في العلوم الإنسانية، والقارئين لكتابات عبد الله العروي، والدارسين لها، يتولاهم الاستغراب الشديد لهذه الأحكام القاسية التي يصدرها، في حق الفلسفة، رجل يعُدُّهُ المعظم منهم في عداد كبار الفلاسفة في تاريخ الفكر العربي الحديث والمعاصر، فالعروي إن لم يكن فيلسوفا، أو إن هو أصر على ألا يكونه، يملك من عدة اشتغال الفلاسفة الشيء الكثير: اللغة النظرية المجردة، التفكير المنطقي الصارم، الولع الشديد بطرائق الاستنتاج والتركيب والمقارنة، مقاسمة الفلاسفة مصادرهم النظرية والمرجعية، فضلا عن النهل الدائب من معين مدارسها وتياراتها، والمعرفة الواسعة المحيطة بتاريخها». الأمر الذي يدحضه عبد الله العروي في هذا المصنف الآخير الذي نعرضه للقارئ الكريم، حين صرح بأنه يزاوج بين الفلسفة والتاريخ: «كان بـــــوسعي أن أكون أستاذا للفلسفة مثلما كنت أســتاذا للتاريخ، وفي هذه الحالة هل كان في إمكاني أن أكون في وضع آخر؟ هذا هو السؤال الذي لا ينفك يبارح ذهني». فضلا عن أن شروع المفكر حسب عبد الله العروي، في النظر إلى المشكلات نظرا فلسفيا، سينتهي به بالضرورة إلى طرح مشكلات تاريخية، بينما إذا شرع في النظر إليها نظرا تاريخيا، فإنه سينتهي بالضرورة إلى طرح مشكلات فلسفية.

ويندهش عبد الله العروي من بعض الفلاسفة، الذين لا يترددون في إعلان احتقارهم للتاريخانية بمعناها المتداول، رغم أنهم لا ينفكون يستعرضون الأسباب التي دفعتهم إلى اختيار مجال تخصصهم بالعودة إلى ظروف نشأتهم وتكوينهم، ففي سيرته الذاتية الموسومة بـ«الكلمات» (1964 ) أو بالأحرى في الحوار الذي أجرته معه سيمون دوبوفوار، يسلط جون بول سارتر الضوء على وضعيته العائلية، وعلى صداقته بألبير كامو وموريس ميرلوبونتي، ليعلن لنا أنه كان مقدرا له معانقة المنهج الفينومينولوجي. فضلا عن أن مصنف لويس ألتوسير «المستقبل يدوم طويلا» يبسط بالتفصيل التناقضات التي وسمت حياته العائلية، ليضفي بذلك معنى على مساره الفكري، الملتوي والموجه، والذي انتهى بالسقوط في أتون مأساة مروعة. ويمكن أن نلاحظ هنا أن الأمر يتعلق بالمثقف الفرنسي الذي ضحى بموروث وطـــني محترم، عرف إشعاعا كبيرا على يد مونتاني وباسكال، مثلما يمكننا أن نفسر ما خطه بعض المفكرين الألمان الذين عاشوا حياة مكسورة مثل، حنة أرندنت وأدورنو، بالهلع من شبح النازية. لكن ماذا يمكننا القول عن منطقي كبرتراند راسل وابستيمولوجي ككارل بوبر، اللذين طالما دافعا على فكرة جوهرية مفادهـــا أن الحقيقــــة، أو انسجام قول فلسفي ما لا يعتمد على ظــــروف نشأته؟ علما أن خطاب كارل بوبر القاسي والمعــــادي للتاريخانية، لا يخلو من تأثره بعــــدة وقائع تاريخية، أهمها فشل الثورة الاشتراكية في فيينا عقب الحرب العالمية الأولى. ليس بالسهولة بمكان الانفلات من التاريخ، حتى إن أخذنا على عاتقنا النظر إلى نتائج بحثه بعيون النسبية.

ويتغيى عبد الله العروي من وراء صفحات مصنفه الأخير «الفلسفة والتاريخ»، إبراز الشروط والحيثيات التي طبعت حياته المعيشة، من خلال استعراض طبيعة العلاقة التي جمعته بأبيه، بجدته، بالإسلام، بمرحلة التعليم الثانوي، بديكارت، بنيتشه، بمغرب الاستعمار وما بعد الاستعمار، بهجرته إلى فرنسا، بتكوينه في التاريخ والعلوم السياسية عوض الفلسفة. وفي سياق ذلك كله وهو لا يدع الفرصة تفوته، كما عودنا في استبياناته، دون تقـــــديم توضيحات مختصرة لمفاهيم رئيسة في منجزه الفكري، ونخص بالذكر: مفهوم التاريخانية، مفهوم الأيديولوجيا، مفهوم الماركسية الموضوعية، الشيخ، داعية التقنية، رجل السياسة.. وهو سياق كان سيؤدي بعبد الله لا محالة، كما يؤكد هو نفسه، إلى الاستنتاجات نفسها التي توصل إليها، حتى لو درس الفلسفة مكان التاريخ والعلوم السياسية. فالمكان والزمان هما من جعلا من عبد الله العروي تاريخانيا، كما جعلا من سارتر وجوديا إنسانيا، ومن لويس ألتوسير ماركسيا مناهضا للنزعة الإنسانية.