على طول الشريط الحدودي الفاصل بين المغرب و الجزائر تعيش قبائل كثيرة مشتتة بين البلدين منذ استقلال الجزائر عام 1962، أسر مزقتها فترة التحرر من ربقة الاحتلال الفرنسي، و لم تكن كذلك في كل الفترات التاريخية السابقة، بعد خروج الفرنسيين من المغرب و الجزائر خلفوا وراءهم مآسي إنسانية لا أحد من السياسيين و الحقوقيين يثيرها، أوضاع كارثية، حالات خرق فاضح لحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا .. لكن لا مكان لها في انشغالات الفاعل السياسي و الحقوقي إن على المستوى الوطني و الجهوي و القاري و الدولي .

من إقليم فجيج حيث استفاق سكان المدينة الحدودية على بتر لجزء من أراضيهم الفلاحية التي صارت بعد السنوات الأولى للإستقلال خلف الحدود، و بجماعة عبو لكحل تستقر أنصاف أسر بهذه الجماعة و الأنصاف الأخرى بالعين الصفراء بالتراب الجزائري، و بعين الشواطر و بودنيب و الرشيدية و أرفود و الريصاني  و باقي التراب الوطني أشطار عائلات يوجد نصفها الثاني ببشار و القنادسة و العبادلة.. و بعمالة وجدة أسر من أولاد سيدي عبد الحاكم و غيرهم تعيش حالات تشتت أسري و لا حق لها في التجمع العائلي كبقية عباد الرحمان  و النصارى و اليهود و غيرهم من الأقوام و الشعوب ...

و لم يقف الأمر عند هذه الحدود، فتواجد شطر من هذه الأسر في هذه الضفة و الشطر الثاني في الضفة الأخرى و بينهما انتصبت حدود من جمر و نار حول حياتهم إلى جحيم : حرم الناس من أراضيهم وممتلكاتهم و ضاعت قطعانهم لأنها ضبطت في وضع ملتبس خلف الحدود .

تذكروا أن استقلال الجزائر كان في سنة 1962 و في أكتوبر 1963 تندلع حرب الرمال بين المغرب و الجزائر و يترتب عنها غلق الحدود و قطع للعلاقات و توتر غير مسبوق بين الدولتين سينعكس سلبا على هذه الأسر المشتتتة .. و يستمر الحال على ماهو عليه و في سنة 1975 ستطفو قضية الصحراء المغربية و تطرد الجزائر أزيد من 40000 مغربي، و هو ما كانت نتائجه وخيمة على العائلات المقسمة بين البلدين : تغلق الحدود البرية و البحرية و الجوية و يحكم على الأقارب بأن ينسى بعضهم بعضا، و هذا البعض قد يكون أبا، أما، أخا، أختا، أما الأعمام و الأخوال و فروعهما فحدث و لا حرج .. وفي سنة 1989 ستشهد مدينة مراكش ميلاد إتحاد المغربي العربي، و كان من حسناته فتح الحدود لأول مرة بشكل مخالف، فتدفق المشتتون في الإتجاهين و ظلت المدن و القري المتاخمة للحدود في حركة غير مسبوقة و تمكنت الأسر من إحياء أرحامها، و لتقريب القاريء من عمق المشاكل الإنسانية المترتبة عن هذه الأوضاع أعيد مرة أخرى حكايتي الغريبة، و هي مشابهة لآلاف الحالات، في هذه السنة توجهت إلى مقر الديوانة بنواحي فجيج لاستقبال أختين لي، لم أرهما منذ صباي، أي منذ ان كنت في الرابعة من عمري، حملت معي صورهما، و كيف سأتعرف عليهما ؟ و كيف و هما منقبتان ؟ شرعت أحملق في النساء إلى أن أثارت حماقتي رجال الشرطة و الجمارك فسألوني عما أريد ؟ فشرحت لهما ورطتي و طلبا مني أن أتنحى جانبا بعد تدوين أسمائهما، مرت ساعات نادوا على ليقدما لي أختاي .. فكانت أول مرة أري فيها شقيقتاي،  و هذه الحال يتقاسمها جل السكان، فهناك من لم ير أمه أو أباه أو أخاه منذ 1962، كانت سنوات فتح الحدود التي دامت من 1989 إلى 1994 وضعا استثنائيا ما فتيء أن أنهي بعد الهجوم المسلح و الدامي على فندق أطلس أسني بمراكش في هذه السنة، فتغلق الحدود البرية من جديد و تفرض التأشيرة .. و في سنة 1999 سيعتلي عرش المملكة جلالة الملك محمد السادس، و ظل جلالته يدعو في كل مناسبة إلى فتح الحدود، لكن الطرف الجزائري ظل يتجاهل ذلك و يوثر الهروب إلى الأمام باختلاق شروط لا تعني الأسر المشتتة في شيء، و لم تسفر سوى عن حذف التأشيرة، و لم تكن للقرار انعكاساته الإيجابية مادامت الغالبية العظمى من السكان لا تستطيع تحمل تكاليف التنقل من مناطق الحدود إلى المدن الحاضنة للمطارات و لا السفر جوا .

و المؤسف ان المشتتين ظل ينظر إليهم و كأنهم هم المسؤولون عن أحوالهم المزرية، الدولتان تتملص من هذه التبعات و تختار موقع المتفرج تاركة الناس في صراع سري و معلن مع السكان الآخرين، فهؤلاء لهم حقوق كالغير و يحرمون من أخرى : لهم الحق في التصويت لكن كناخبين و في أحيان أخري منتخبين في حدود مستشارين جماعيين، و موظفين في حدود الوظائف التي لا تثير شبهات مترتبة عن أوضاع التشرذم .. غير أنه لا حق لهم في أراضي الجموع و هم ليسوا من ذوي الحقوق،  و حتى إن كانت هناك فئات سكانية تشبههم في أوضاع معينة، لكن تختلف عليهم في الإنقسام بين بلدين، فلها ما ليس لهم، و المثال من الرشيدية حيث تم تمكين قبيلة أيت خليفة من تجزئة سكنية في موقع ممتاز  في حين حرم المشتتون و لا أحد التفت إليهم ... و في الإتجاه الآخر رفضت السلطات في بشار الترخيص للسكان بتوزيع أراضيهم السلالية بدعوى أن الأشطار الأخرى خلف الحدود لها فيها حق و هي لا تريد أن تمنحهم ذلك ..

إن مقارنة بسيطة بين أحول المشتتين و غيرهم  الذين لا يكفون عن الإحتجاج،  تبين بالملموس الفرق الشاسع على كل المستويات : الحقوقية و الاقتصادية و الاجتماعية ... لكن المسؤولين لا يكترثون لأحوالهم مقارنة بالآخرين الذين سلكوا كل الطرق المستقيمة و الملتوية .. في حين اختار هؤلاء أساليب هادئة و مسالمة .. لكن لا أحد سألهم أو التفت إليهم أو حتى  " مسح على رؤوسهم " فأين يكمن الخلل ؟ فيهم و في مقارباتهم أم في المسؤولين الذين لا يرون في مآسيهم ما يستدعي الاهتمام بهم ؟