أدونيس

 

 

في بيانٍ ليس لأحد،

لها وحدها

قالت العروبة تناجي نفسَها، وهي في سرير المرَض:

لا أتحدّث عن البشرـ أصدقاءَ، أو أعداءَ. أتحدّث عن حروفٍ في الأبجدية

العربية تحاول أن تفتح ثقوباً أخرى تنبثق منها أشعّةُ الشمس ـ

ثقوباً في بشرة الفضاء،

ثقوباً في النّهار والليل،

ثقوباً في الكتب والدفاتر والمعاجم،

ثقوباً في السياسة والسلطة والإدارة،

ثقوباً في كلّ خليّةٍ في كلّ عضوٍ من أعضائي

أنا العروبة، المعزولة، المريضة التي لم تعد

إلاّ مجرّد لفظة.

باسمي يُصدِر أبنائي، كلّ يومٍ،

حكماً عليَّ بالقتل

شعوراً، وفكراً ،

أخلاقاً وقيَماً،

إبداعاً وفنّاً.

 

أنا العروبة ـ لم أعُدْ إلاّ منجماً عتيقاً من الحجر لصنع شواهدَ لقبور أبنائي.

*

أنا العروبة ـ كتُبي تتمرّد عليَّ. تُنزِلُ عن أكتافها تلك الأعباء الهائلة من الهذَيان والغَثَيان.

وكلُّ كلمةٍ تُعلِنُ الحِدادَ الشّامل على تاريخها، وعلى حاضرها، وعلى مستقبلها.

على تاريخها ـ لأنه هاجَرَ أو هُجِّر إلى مكانٍ يرفض العودةَ إليه، في أيّة حال،

على حاضرها، لأنّه انهيارٌ لا مَرَدّ له،

على مستقبلها، لأنه فاتحةُ الكسوف والمَحْو.

بعض الذين ماتوا من أبنائي وعشّاقي يستيقظون سرّاً. يطوفون المدُنَ العربيّة

يتحدّثون مع أبوابها ونوافذها، مع طرقها وآفاقها،

ثمّ يغلبهم البكاء، ويعودون صامتين إلى قبورهم.

 

الكتابةُ صارت قَيْحاً،

الشّعرُ بخاصّةٍ، أصبح هو نفسُه جرحاً لا يلتئم.

فمُ الكاتب فوِّهةُ نارٍ، ورأسُه خوذةٌ

فمُ السياسيّ غربالٌ

فمُ المجتمع هاوية.

نعم، من الآن فصاعداً، سيكون المستقبلُ وراءكِ،

يا لغتي العربيّة.

*

أنا العروبةُـ

لم تعُد الحروف التي يتكوَن منها اسمي (عين، راء، واو، ياء، تاء مربوطة)، إلاّ حبلاً تُصنَعُ منه المَشانِقُ والقيود، وإلاّ مادّةً تُذَوّبُ وتُصهَرُ وتُعجَنُ في أشكالٍ وصوَرٍ لتشويهيَ أو تعذيبي أو سجني أو تشريدي، تبعاً للوضْع والحالة.

أجراسي فقَدَت قدرتَها على الرّنين،

وكلماتي تنبذها حروفُها.

كلُّ حرفٍ يُنافِس الآخرَ في سِباق الشّهْوة إلى أن يكون سجّاناً أو

شُرَطيّاً.

الحروف كلُّها تتحوّل إلى مصانعَ للقتْل.

لكن، مع ذلك، "لا أزالُ حيّةً": أقولُ موَشْوِشةً أعضائي.

ولا أريد انتقاماً. ولا أريد ثأراً. أريد، عندما يحين موتي، حضاريّاً أو إبداعيّاً، أن أموتَ (أو أن أُقتَلَ) كريمةَ الوجه، عاليَةَ اللغة، سيِّدةَ نفسي ومصيري، صديقةَ الشمس.

*

أنا العروبة ـ وضعْتُ أمسِ أكاليلَ زهرٍ على قبورٍ امّحَت وذابَتْ، وأصبَحَت جزءاً من الأثير الكونيّ. يطيبُ لي أن أذكرَ بعضَها، تمثيلاً لا حصراً،

قبور امرىء القيس وطَرَفة وذي الرمّة،

قبور بشّار بن بُرد وأبي نواس وأبي تمّام وابن الرّوميّ ومسلم بن الوليد، والشّريف الرّضيّ، وابن لنكك وابن بابكٍ، وأبو بكر الصّنوبريّ ومهيار الدّيلميّ والمتنبّي والمعرّيّ والنِّفّريّ وابن عربيّ والتّوحيديّ وابن الرّاونديّ، وأبو بكر الرّازي وابن رشد،

مزَجْتُ باسمهم جميعاً عطرَ البخور بعطر الإبداع، وعلى كلّ قبرٍ نثرْتُ غبارَ القبور كلّها، فيما كنت أهمس:

معاً، موجةً واحدةً في ماء التّكوين،

معاً، صرحاً عالِياً واحداً في مَدينةِ الأساطير.

 

ثمّ تخيّلتُ أنّني أولد من جديد،

أتَناسَلُ في صوَرٍ أخرى، ولا نهايةَ لتحوّلاتي.

وخُيِّل إليّ أنّني أقول بصوتٍ عالٍ:

انهضي يا لغتي،

عانقي طفولةَ الأرض.

*

أنا العروبةـ عندما ألفظُ، اليومَ، كلمة "العالم" يمتلىء فمي بالدخان. أشعر كأنّ الحجارةَ في العالم تتحوّل إلى جيوشٍ من الإسفنج لامتصاص المحيطات.

أنا العروبةـ الأشياء كلُّها في هذا "العالَم"، داخِلاً وخارِجاً، تُصَوِّبُ سهامَها إليَّ.

ولستُ بالنسبة إلى البشر فيه، داخِلاً وخارجاً،إلاّ مجموعةً من الأدوات و "الدّكاكين".

 

اللانهايةُ قطَعَت معي علاقاتِها.

الفجرُ طفلٌ يحترقُ بين أحضاني.

الأشجارُ داخلَ حدودي تتسوّلُ الهواء.

الليلُ ينزف أنيناً والنّهارُ يسيلُ دماً،

وحولَ موائدي تتصارع أمعاءُ التاريخ.

*

سيفٌ يغسلُ حدَّه وأسنانه بماء المجرّات،

وها هو يَغطُّ أقلامَه في مَحابِرَ صُنِعَت له خصّيصاً، برعايةٍ خاصّة.

سيفٌ لا يتوقّف عن الكتابة.

وكلّ مستقيمٍ لا يكتبه إلاّ بحروفٍ حَدْباء.

 

نعم، في الشّوارع طيورٌ لكن من الورق المُلَوَّنِ المُقوّى.

نعم، في المحَطّات قصائدُ ولوحاتٌ، أغنياتٌ وقيثاراتٌ، لكن من أجل أن تسافرَ نحوَ ما لا عودةَ منه.

 

الأشجارُ تخيطُ شفاهها، احتجاجاً على اللغو الذي يلتهم الفضاء.

غاباتُ الإسمنت تعتذر للمنارات والقناطر والجسور، للحدائق والأبواب والنّوافذِ والعتبات.

*

اصطكّتْ ركبةُ الأفق رعباً عندما جلس عليها المستقبلُ، وأخذ يتهيّأ للكتابة.

الأبجديّةُ نفسها خافَت.

رأتْ في كتابته نملةً تبتلع ثوْراً.

رأت ثوْراً يتقمّص مدفعاً له شكل الأرنب.

رأت ذبابةً تسجنُ عندليباً.

رأتْ صِفراً يتقمّص، بعونٍ خفيّ، جميعَ الأرقام.

*

هكذا يتبيّن لكل مَن يرى أنّ الجثّة التي تتمدّد تحت ركبة الأفق، هي نفسُها فأسٌ ورفشٌ وحفرةٌ لجثّةٍ أخرى.

هكذا ينشأ هاجِسٌ آخر للبحث عمّا تُخبىء تجاعيدُ الأفق وثنيّاتُه، خصوصاً عن كلّ ما يتعلّق بالزّعم أنّ الحياةَ لا تعيش حقّاً، إلاّ على أشلاء الموتى. وأنّها مجرّدُ ثوبٍ ينسجه فَتْكُ الرّقمِ بالرّقْم، والشّيءُ بالشّيء، والإنسانُ بالإنسان والدّمُ بالدّم.

 

هكذا تموت المدنُ فيما تواصِل الحياة وتعيش فيما لا تكادُ أن تتنشّق إلاّ هواءَ الموت. كلُّ جدارٍ فيها ينزف وجعاً. في كلّ نزيفٍ يولَد طفلٌ، أو يهاجِر متسوِّلٌ شيخ، أو تعرج قدمان لا تزالان في سنّ المراهقة.

هكذا يُبنى التّاريخُ كأنّه حانوتٌ ضَخْمٌ للشّهوات من كلّ نوع. وكأنّ كلَّ شيء ليس موجوداً إلاّ لكي يكون ضدَّ كلّ شيء.

 

أنا العروبة ـ أعترفُ لك، أيُّها الدّمارُ السيّد، أنت المنتصِرُ دائماً، حتّى الآن.

ـ حتّى الآن؟

ـ اعبُرْ، لا تعبر هذا النّهر.

نهرٌ مليءٌ بأنقاضٍ لا تقدر أن تراها إلاّ عينُ الشّعر.

ويُقالُ : ماؤه حليبٌ يتدفّق من أثداء النّجوم.

*

ـ نعم، إنّه بيانٌ ليس للكلّ، وليس لأحد.

بيانٌ لي وَحْدي.

 

لكن،

ربّما يحبّ أن يشاركني فيه النّبعُ والوردة والطِّفلةُ التي تعرف أن تقول: لا،

ربّما تشاركني حديقةٌ تختبىء طفولتي في ظلِّ أشجارها، دون أن يعرف أحدٌ أين تختبىء.

ربّما تشاركني شمسٌ تظلُّ في حوارٍ مع الظلّ، ويشاركني ظلٌّ لا يحيا إلاّ في حواره مع الشّمس.

نخلةٌ في المنعَطَف، سأفيء إلى ظلّها.

هل ستُجيبني إذا سألتُها

هل كانت عودةُ يوليس خطأً في السّفَر،

أم كانت خطأً في الكينونة؟

هل ستجيبني إذا سألتُها خصوصاً:

أين هو إذاً ظلّي؟

أين هي، إذاً شمسي