المختار العيرج

 

شيء منطقي أن تعود الذاكرة إلى التاريخ لتقلبه، تمحصه و تقرأه لاسيما حين يكون الواقع معاكسا و مليئا بالمثبطات و العراقيل و أسباب النكوص و التراجع الموشوم بالعديد من السلبيات .. هي ستكون إذا عودة من باب التعويض و شكلا من أشكال الرفض و التمرد على واقع يبدو أنه أكبر من إرادة الإنسان .

في الظروف العامة التي يعيشها بعض السكان في جزء من مناطق الجنوب الشرقي، و خصوصا بالرشيدية و فجيج، من انقسام و تشتت بين دولتين و ما ترتب عليه من انعكاسات أثرت سلبا على هذا الوجود غير العادي للسكان .. شطر من أسرة هنا بهذه الجنسية و شطر منها هناك بجنسية أخرى.. واقع مزر وسم حياة الناس بالقلق و الإنفصام و التساؤلات التي لا تنتهي .. تساؤلات تبدأها القبائل المشتتة بين المغرب و الجزائر عن أحوالها و مصيرها : أخ انفصل عن أخيه و أم عن ابنتها وأب عن أبنه.. وهلم جرا .. مرارا كثيرة في المغرب كما في الجزائر يحرم شاب من شغر وظيفة ذات حساسية خاصة فقط لأن الأسرة شاءت لها الأقدار أن توزع بين الدولتين .. في الجزائر يستقر السكان على جزء من الأرض التي ظلت قسطا من أراضيهم السلالية لكنهم محرومون منها لأن بومدين قرر على غرار الزعماء الروس و الصينيين تجسيد فكرة " الثورة الزراعية " فنزع الأرض من أصحابها ليمنحها لفلاحين من شتى جهات الجزائر .. و اليوم و في ظل المراجعات الكثيرة تتعلل السلطات الجزائرية بأن وجود الناس في المغرب يستدعي التريث في تسليم الأرض لأصحابها لان للجميع الحق فيها و هو باب لا ترغب الجزائر في فتحه ..

و في المغرب و على الرغم من أن السكان ظلوا عبر التاريخ يتحركون في فضاء واسع يمتد من العبادلة مصب نهر كير ( الدلتا ) و إلى تافيلالت بمفهومها التاريخي .. مع ذلك و لأنهم تشتتوا بين دولتين صار هذا الواقع كذلك موجبا للحرمان و التنكر للحقوق التاريخية، فقط لأن التقسيم الإداري الأول للمملكة لم يدخل المجال في محيط أراضيهم السلالية لأنها صارت خلف الحدود و ما أصبح في المغرب لم يعد لهم مادام هذا التحديد قد ربطهم بعين الشواطر و حرمهم من المجال الذي ظل لهم عبر التاريخ لأن بعضه أصبح أراضي عازلة و البعض الآخر صار بحكم التحديد الإداري لهذه الجماعة أو تلك ..( و في هذا الموضوع تجب العودة الى كتاب  المؤرخ الأمريكي دان . أ . روس : المجتمع و المقاومة في الجنوب الشرقي للمغرب ) .. فصار السكان ترتيبا على ذلك يعيشون في مختلف المدن و القرى التي يستقرون فيها و كأنهم " زيادة " بمعناها السلبي ..

في ظل هذا الواقع لا يجد السكان سوى العودة إلى التاريخ،  لكن كل جزء حسب " ما تمليه عليه ظروفه " ففي الجزائر تكون العودة لأمجاد الأباء و الأجداد، و يتم التركيز على فترة المواجهة مع المستعمر حيث أبلوا البلاء الحسن و تمكنوا بجبل بشار من قتل الكثير من الغزاة و على رأسهم جنرال و هو ما لم يتحقق لغيرهم من المقاومين في البلدين ..و في الغالب ما يتوقفون عند هذه الحدود و قد يضيفون نتفا تهم الصراعات و الحروب التي دارت مع القبائل الأخرى " البرابر"، بني كيل و غيرهم ..

أما في المغرب فيطلق العنان للذاكرة لتمخر عباب التاريخ، يستحضر هؤلاء أحداثا بعينها تدور في الغالب فيما استقر من العلاقة بين السكان و على الأخص دوي منيع و الأسرة العلوية، فيكون الحضور القوي لضريح الحسن الداخل لأنه يحتضن إلى جانب قبر العلوي الأول بالمغرب، قبر مناع رفيقه في رحلته الشاقة من الينبع إلى تافيلالت، لذلك أحيوا في 30 أبريل 2017 موسما ظل أباؤهم و أجدادهم يحتفلون به في كل عام .. كما يعودون للقاءات التي تمت بين الملوك العلويين و السكان، يسرد بعضهم على بعض بالتفاصيل اللقاءات التي تمت بين دوي منيع و المغفور له محمد الخامس، و بينهم و بين الملك الحسن الثاني رحمه الله، في أحاديث الكبار إلى الصغار يصرون على نقش أحداث لها دلالتها : في متم أحد الإجتماعات التي كانت لوفد لهم معه، خلع جلالة الملك الحسن الثاني سلهام القائد الصديق و وضعه فوق كتفيه، حدث لا مثيل له و لم يتكرر مع غيرهم، فسبق لهذا الملك رحمه الله أن منح سلهامه لبعض رعاياه، حالة ولد الجماني مثلا، لكن أن يرتدي ملك كالحسن الثاني سلهام أحد مواطنيه فذلك لم يتكرر مع شخص آخر في حدود علمي و علم الرواة .

عود على بدء : إن التعويض شيء مفيد نفسيا، و هو لا شك يحول دون تفاقم أحوال الناس و وصولها لمرحلة الخطر، لكن ألا يوجد سوى التاريخ و البكاء على الأطلال ؟ ألا يعد ذلك هروبا من الواقع و جبنا من الجيل المعاصر ؟ هل يعقل لساكنة هذا تاريخها أن تعيش في ظل هذه المهانة و هذا الذل : غلق الحدود و الحرمان من الحق في التجمع العائلي، مصادرة أراضيهم السلالية بمبرر الثورة الزراعية أو لتكون أراضي عازلة أو بسبب تحديد إداري لم يتعب المسؤولون فيه أنفسهم لإيجاد مخارج منصفة للسكان ..؟  في فترة الإستعمار خضعت فرنسا و أملى عليها  السكان شروطهم : تذكروا اتفاق باريس سنة 1901 و كيف خرت القوة الإستعمارية و وقعت هذا الاتفاق مع الإيالة المغربية و الذي خص دوي منيع بوضع خاص يتمثل في حرية التنقل و حق الإختيار بين الجنسيتين : الفرنسية و المغربية .. فرنسا قبل الدخول لبشار قبلت بشروطهم :  الإنصياع لرفض انخراط الشباب في جيشها و إعفائهم من الضرائب ... و اليوم و في عهد هذا الجيل صار مطلب فتح الحدود البرية فقط شيئا بعيد المنال، بل لم يسبق للسكان هنا و هناك أن فكروا في أشكال احتجاجية لحلحلة المشكل، على الرغم من أن جلالة الملك محمد السادس و منذ اعتلائه العرش و هو ينادي بفتح الحدود، و لم يخلف النداء تجاوبا و لا صدى و لا  هو استثمر بالقدر الكافي لإثارة انتباه المجتمع الدولي للتأثيرات السلبية لقضية الحدود البرية الوحيدة المغلوقة في العالم رغم وجود أسر مشتركة .. و رغم ما في الأمر من خرق للمواثيق الدولية التي وقع عليها البلدان .