عبد الجواد الخنيفي

تمتد مدينة طنجة جذراً عميقا في الأرض والتاريخ، وتمضي بحسّها الإنساني صوب تشعّبات الحياة والمواقف وتداخل الماضي بالحاضر، في إطلالات مشرعة على ضفاف المتوسط، منفتحة على الثقافات وأصوات العالم والأنساق الاجتماعية.

وهاهي المدينة تبصم على المزيد من الدلالات والمغازي في مرحلة تاريخية كان فيها البريد ضرورة حياتية وعنوانها نحو الأبعد والكوني.. تلك المدينة التي كانت بوابة إفريقيا على أوروبا كما كانت أفقا استراتيجيا لأطماع المستعمر. في هذه الجولة سنشرع الرسائل على ذاكرة المكان والآخر وصيرورة الزمان.

2-الطوابع الأجنبية تعيدنا إلى طنجة الدولية

البريد الانجليزي

أفاد الحميدي بأن أول مكتب بريدي بريطاني افتتح بمدينة طنجة كان حوالي سنة 1857؛ إذ كانت الرسائل تُرسل في أكياس إلى جبل طارق حيث كان الختم الذي يوضع على الإرساليات يحمل رمز A 26. ثم بعد ذلك وابتداء من سنة 1872، استعملت طنجة أختاماً خاصة بها، ولكن بطوابع جبل طارق.

فالمراسلات التي كانت رسمية أو شبه رسمية كانت تبعث من داخل السفارة البريطانية بطنجة، وبعد معاهدة الجزيرة الخضراء وإعلان طنجة الدولية، فتحت بريطانيا عدة مكاتب بريدية بها، أوّلها كان بـ: "سوق الداخل"، وكانت الطوابع المستعملة في هذه الفترة جلها طوابع بريدية بريطانية عليها تعلية (tangier) بـ: pesetas أو cintimos.

وبعد توسع المدينة خارج أسوارها وتلاقي الطموحات المتزايدة، قامت بريطانيا بإضافة مكتب بريدي ثان بجانب "سور المعكازين" بالبناية الموجودة بزاوية: (boulevard pasteur)، فضلا عن افتتاحها لأكبر مركز بريدي بشارع أمريكا الجنوبية حيث لازالت البناية شاهدة على ذلك.

البريد الايطالي

وعلى مستوى البريد الايطالي، استطرد المتحدث بأنه تم فتح مكتب بريدي ايطالي بالقنصلية العامة بطنجة في يناير سنة 1937 لتأمين المراسلات من خلال وسيلة (Alalittoria) بحراً وجواً، عبر خطين إيطاليين. وكانت المراسلات في هذه الحقبة تحمل طوابع إيطالية، ولا يوضع عليها خاتم به طنجة إلا بعد أن تصل إلى إيطاليا.

وفي مايو من سنة 1938، كان يوضع على الرسائل خاتم محلي لطنجة، عبارة عن طابع مطاطي، ليس به تاريخ وتوجد فيه ثلاثة أسطر: (Lastation de la radio maval R.marina stazione)، وبه باللون البنفسجي كلمة (telegrafia tangeri).

وفي سنة 1940 دخلت إيطاليا الحرب العالمية الثانية بجانب إسبانيا، واحتل فرانكو مدينة طنجة، وبعد خسارة إيطاليا للحرب ودخولها من طرف الحلفاء، انتهى أمر المكتب البريدي الايطالي بها.

البريد المغربي

وأوضح المتحدث ذاته في جانب البريد المغربي قائلا: "البريد المغربي نشأ في البداية عن طريق المكاتب الأجنبية، ثم مكاتب البريد المحلية التي كانت في ملكية الخواص، والتي حفزت السلطات المغربية على إنشاء المصلحة الشريفة للبريد".

واستطرد أن أول مصلحة لبريد المغرب تأسست تحت اسم "البريد المخزني"، وهي عبارة عن شبكة بريدية تربط أهم المدن المغربية الثلاثة عشر: تطوان، طنجة، العرائش، القصر الكبير، فاس، مكناس، الرباط، الدار البيضاء، أزمور، الجديدة، الصويرة، آسفي ومراكش، وتعتمد على سعاة بريد يحملون اسم "الرّقاص"، كما استخدم البريد المخزني أختاماَ بحروف عربية، تعرف بالأختام المخزنية.

ولهذه المهمة افتتح بمدينة طنجة حوالي سنة 1892 مكتب بريدي بجانب المكاتب البريدية الأجنبية غير بعيد عن "سوق الداخل"، استعمل الأختام المخزنية، ونظم خطوط الإرساليات، مثل خط: طنجة/تطوان، وطنجة/أصيلة، وطنجة/فاس... علما أن الخطوط القريبة من طنجة كان يتولاها الرقاص مشيا على الأقدام والبعيدة راكبا على الخيل.

ومن المهم أن نذكر هنا، يواصل الحميدي، أن هذا المكتب استعمل أول الطوابع البريدية المغربية سنة 1912، التي كانت تحمل صورة الزاوية العيساوية بطنجة وبها عبارة "البريد المخزني" بالعربية وفق ثمن محدد في: 1 و2 و5 و10 و25 و50 "مزونة"، وهي وحدة نقدية. وصدرت هذه الطوابع بأمر من السلطان المولى عبد الحفيظ.

ونظرا لمكانة طنجة المتميزة وموقعها الاستراتيجي والجغرافي، يختم الحميدي، فقد شهدت صراعات القوى العظمى للسيطرة على المغرب وخيراته. وكان من بين هذه الصراعات، إنشاء المكاتب البريدية المختلفة التي فتحت أبوابها بـ: "سوق الداخل" وتنافست فيما بينها، ما أدى إلى ترك ثروة هائلة من الطوابع البريدية التي تحمل اسم المدينة بلغات أجنبية مختلفة.