حواره: مصعب النميري

 

يراها لا كما يراها الآخرون. كان في المشهد قبل أن تتغير ملامحها. يرى أنها أعمق من أن يتم الحنين لها بسطحية السائح الذي يشتاق إلى جدار أو نافذة. حين يتحدث الشاعر السوري وفائي ليلا عن دمشق، يقول إنه «تنبأ بخرابها». كان يعتقد أنها على شفير الهاوية، حين رأى نهرها كيف يختفي، وكيف تُدمر غوطتها وتسود أشجارها من الداخل وتموت، وكيف يزحف التصحر نحوها كشبح رمادي، وتمتلئ سينماتها بالعاطلين عن العمل والعساكر الفارين، وتقتسم عناصر الأمن الجنائي فيها أرباح العاهرات.
يقول الشاعر السوري وفائي ليلا لـ«القدس العربي» إنه لا يستطيع الفكاك من الشام، التي غادرها قبل حوالي عشرين عاما: «في كل الأماكن التي أراها أرى الشام، حتى الأماكن التي لا تشبهها. دمشق عالم رحب وواسع، وعلى قدر بساطته هو عميق وحقيقي، ومعجون بالناس وحكاياتهم. أنا عشت في بيئة مليئة بالقصص والشخوص والناس وتفاصيل المدينة، وأعتبر أن دمشق هي مدينة محتلة، وتم السطو عليها وخطفها، بالإضافة إلى أنه يتم إظهارها على غير ما هي عليه. الشام أبعد مما تعرضه الدراما السورية البائسة. أنا كنت أرى الناس وعوالمهم وحكاياتهم، وما يحدث خلف الأبواب المواربة وعلى السطوح وتحت الأدراج. دمشق غنية جدا. ومتنورة بقدر ما هي محافظة، وفاحشة بقدر ما هي رصينة. البيئة السورية عموما لم تكن بيئة متشنجة أو متطرفة. كان تديّن أهالي الشام تدينا جميلا، لم أسمع في طفولتي عبارات ضد الآخر من أهلي. أتباع السلطة والموالون لها يروجون دائما لفكرة أن المجتمع السوري هو مجتمع متعصب، بهدف إيجاد مبرر لذبحه.. إنهم يحاولون إلصاق التهمة بالقتيل». 
لا يرى وفائي انفصالا بين دمشق وباقي المناطق السورية، يرى أنها عينة عن المجتمع السوري ككل، بحكم اختلاط سكانها من جميع المناطق. المجتمع الذي «تم إفساده بشكل منظم ومدروس، وتغيير هويته وتشويهها.. لا أعرف كيف استطاع النظام خلال خمسين سنة خلق كائنات تمتهن الجريمة والفساد والتسلق وازدراء العمل الشريف، أو كيف تمكن من بناء المجتمع وتركيبه ليصبح الشاطر فيه هو من يعرف من أين تؤكل الكتف، ومن يعرف كيف ينجو بالحياة». يضيف وفائي: «كان أبي يحدثني أنه في الستينيات كانت لدينا طبقة عاملة واقتصاد ومظاهرات تخرج من المعامل. وأن الناس كانوا يخرجون إلى الشوارع حين ترتفع أسعار الخبز. وأن التاجر الدمشقي الذي يتم انتقاده اليوم، كان يذهب إلى المعمل قبل العامل، وحين تعجبه أخلاق أحد العمال يقوم بتزويجه لابنته. فيما كان الأغنياء أيام الأعياد يوزعون الكساء على الأيتام والأرامل في الحارة، تحت غطاء من النظام التكافلي الاجتماعي.. هذه القيم هي قيم دمشقية حقيقية، هذا كان قبل أن يتم الترويج لفكرة أن التاجر الدمشقي هو لص وشخص متواطئ مع السلطة».
كتب مجموعته الشعرية الأولى عام 1996، وأتبعها بست مجموعات كان آخرها «رصاصة فارغة.. قبر مزدحم». يكتب ليلا بزخم كبير، ولم ينشر كل ما كتبه. اندلاع الثورة في سوريا أجرى تحولا جذريا في رؤيته للأمور، وأثر بشكل مباشر على نصه وفلسفته في الحياة. بعد 2011 خرج من الذات المتقوقعة على نرجسيتها، وبدأ مفهوم «الآخر» عنده بالتوضح. كان يعيش في عالم كافكاوي له علاقة بفكرة التهديم التي كان يعيشها قبل ذلك، بحسب قوله. متابعا: «حين بدأت الثورة في سوريا خرج كائن جديد داخلي. وانتبهت فجأة إلى أهمية تسجيل ما يحدث، لأن الذاكرة سريعة النسيان ولها قدرة على المساومة. شعرت بأنه يجب عليّ توثيق الرعب والخوف والخراب. بالإمكان القول مجازا أني حملت كاميرتي كما فعل الناشطون وحاولت توثيق المدينة في لحظة الجريمة. والذات صارت تلتقط الأشياء من موقعها بدون تضخم». 
لدى سؤال ليلا عن أهمية الشطب والاختزال بالنسبة لكونه شاعرا يكتب بزخم، قال إن الكتابة بالنسبة له هي نوع من التوثيق. «حين أقرأ اندهش من الكائن الذي عبر. لا أنتبه لجودة النص فنيا، وإنما أرى النص كألبوم صور قديمة، فيه شخوص ولحظات مرت. مؤخرا صرت أكثر براعة بالشطب. كانت الكتابة تأتي بشكل سيلان في الماضي. الآن أحاول شحن النص بالثقل والفلسفة لإعطائه قواما أكثر رشاقة وانضباطا. المهارة والرغبة بالاختزال يتشكلان عبر الزمن، ويصبح الحدس هو الذي يقود النص».

مقتطف من قصائد وفائي ليلا:

إنها الشام إذن/ إنها كل ما ليس لنا/ بجسورها الهاربة من أصابعنا/ أسواقها التي استأجرها الغش/ قاطنين غرباء يلكنون بلهجة تنهش قلوبنا بالتهديد/ إنها كل ما ليس لنا/ أهلها/ ضيوف غير مرغوب فيهم/ يحاصرنا سائقو التكاسي باستجوابات سريعة/ وثمة من ينصت لحديث جانبي في مقهى قديم/ إنها كل ما عدانا/ بصالات سينماها/ التي غادرت جمهور الناس/ وصارت مجرد منامات مؤقتة للفارين من الخدمة/ إنها دمشق التي تتكاثر فقرا/ بأسواق البالة/ صارمة الابتزاز/ إنها بطات السبكي القذرة التي تتناقص باطراد/ إنها ذاكرتنا التي نجرّف رحمها بقسوة/ كي لا نُعيد إنجاب هذا الجنين الخديج/ ابن الحرام/ والزنى/ ذاك.