محمد توفيق السهلي

أبي مات مرتيْن

كنتُ طفلاً في العاشرة عندما سمعتُ أبي وأمّي يتعاهدان على ألاّ يتزوَّجَ أحدُهما بعد رحيل الآخَر

ولمْ يمضِ وقتٌ طويل … رحَلَ أبي عن كوكبنا ، فصرتُ يتيماً … وبعدَ أن أمْضَتْ أمّي عدَّتَها ، لبثَتْ يوماً أو بعضَ يوم وتزوَّجَتْ … وصار الرجلُ الغريب عمّي غصباً وقهراً … لم أنسجمْ مع هذا الغريب الذي حلَّ مكانَ أبي ، وكنتُ أكرهُ الأرضَ التي يمشي فوقها … وذات يومٍ عاندْتُهُ فصفعني على وجهي صفعةً أطارت الشررَ من عيْنَيَّ … وغبتُ عن الوعي قليلاً حيث غابتْ من حولي كلُّ أقمار الدنيا … فرأيتُ أبي ينهض ثم يموتُ من جديد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

                               إضراب

منذ مئات آلاف السنين وهو يكدُّ ويَشْقى ، فجأة أعلَنَ النحلُ إضراباً شاملاً ، حَزِنَ الزهرُ ، والوردُ بَكى ، وجَفَّ في الأرضِ العَسَل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اعْتذار

شَهَّرَ بِهِ ، نَشَرَ عرْضَهُ على أغصانِ الشجَر ، فَضَحَهُ أمامَ أعيُنِ الناسِ في طولِ البلادِ وعَرْضِها ، واعتذَرَ لهُ في زقاقٍ مَهْجور.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأرضُ عَروس

اشتاقَتِ البلادُ إلى أهلِها ، عادوا إليها فوجَدوها قاعاً صَفْصَفاً ، لكنَّها بَقيتْ في أعيُنِهِمْ عَروساً في ليلةِ عُرْسِها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأُصُص

شرفات الدار مطرزة بالأصص.. فيها نباتات وأزهار من كل ما يخطر على البال.. تُسقى في الصباح بعد أن تمتد إليها خيوط الفجر.. غادرها السقاة منذ سبعين عاماً.. ظلت مخضرة.. لكن الحنين يشويها، والشوق إلى العناق يكويها.. تنام السنون، وتبقى المواجع مستيقظة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

        البنطال

جره أبوه إلى منزل خيّاط تربطه به صلة من القربى.. لم يدرك الصبي من الأمر شيئاً، لكن أباه أخرج من تحت إبطه إحدى بطانيات الإعاشة.. طلب إلى الخياط أن يخيط البطانية بنطالاً للصبي، فهي سميكة وتقتل البرد.

لقد كان الصبي يسبق كل التلاميذ في السباق الذي كانت تنظمه المدرسة.. لبس بنطال البطانية فصار آخر طفل في السباق!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحلم الذي فجّر الماء

هذه البئر لم تكن هنا .. كل شبر في تلك البياّرة أعرفه كما أعرف نفسي.. هذه البئر لم أرها من قبل عند مدخل البيّارة…إذن من حفرها وبناها ؟!!!

استيقظتُ والدهشة تسيطر عليّ … شرّقتُ وغرّبتُ .. سألتُ أخي الأكبر عنها فأكّد لي أنه لم يرها من قبْل لكن والدي أخبره بأن جده كان قد حدّثه وهو صغير قائلا : كان جدّي قد حفر بئرا عند مدخل البيّارة !!!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحلم المسروق

تقفز الكرة الصغيرة، فتقفز نظراته معها، وتلتصق عيناه بها.. صارت سنام أحلامه.. تمنى امتلاك واحدة.. وتحقق الحلم الكبير.. في وقفة العيد اشترى جابر الطابة ( أم سبع جلود ).. ركض نحو الدار.. فتح الباب.. قذف الطابة بقدمه، فطارت صوب الجدار في قاع الدار.. ارتدت من فوق رأسه، وسقطت في البئر.. وماء البئر نهر جار تنتهي مياهه في البساتين.. سقط قلبه.. توجه إلى البساتين البعيدة.. ركض على مد بطنه.. وعند نهاية النهر قعد بانتظار الكرة/ الحلم.. انقصف عمر النهار، وأرخى الليل عباءته.. عاد جابر من حيث أتى، وظل يبكي وينوح كل أيام العيد، على الحلم الذي سرقه البئر، وجرفه النهر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الطوفان

كانت ترافقه في حلّه وترحاله، وتلازمه كظله.. القاعة تغصّ بالمفكرين.. صعد المنبر، لكنها لم تصعد معه.. حرك يده اليمنى ثم اليسرى، لكن لسانه لم يتحرك.. ماتت الكلمات في حلقه.. تذكرها فجأة فقال: ناولوني العصا.. أمسكها، فانطلق لسانه، وراح طوفان الكلمات يغرق القاعة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العاشق

 ضربوه وما اعترف.. قطعوا يده اليمنى فاستمرَّ في صمْتِه.. بَتروا اليسْرى وأصرّ على عدم الاعتراف.. قلعوا عينيْه فما نبَسَ ببِنْتِ شفة.. لكنَّه، وقبْلَ أن يقْطعوا لسانَهُ بثوانٍ اعترفَ لي بأنه يعشقُ بلادَه حتى النّخاع.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

القُمْصانُ الثلاثة

رأيتُه ، كان القميصُ مضرَّجاً ، الذئبُ مظلومٌ ، لَمْ يأكُلْهُ ،لَمْ يمزِّقْ قميصَه ، والدمُ كَذِب .. وقميصٌ ” قُدَّ مِنْ دُبُرٍ” ، صادِقَ القولِ كان ، لكنَّ الظلمَ يَتْبَعُه ، مِنْ ظُلمةِ الجُبِّ إلى عتمةِ السجنِ .. والثالثُ ألْقَوْهُ على وجهِ أبيهِ ، فكانَ أحْلى هديةٍ لعينيْه .