صدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدولة الكويت، كتاب جديد للدكتور سعيد كريمي، وهو ترجمة لنص مسرحي يحمل عنوان "آل سنسي" لرائد مسرح القسوة والمسارح التجريبية الحديثة أنطونان أرطو.  وتعد مسرحية "آل سنسي" Les cenci  العمل الفريد واليتيم الذي قدمه أنطونان أرطو Antoni Artaud في إطار مسرح القسوة الذي يعتبر من أهم المسارح الطليعية والتجريبية التي طبعت التاريخ المسرحي في القرن العشرين. وتدين جل مسارح ما بعد الدراما لأرطو بالكثير من الرؤى والتصورات الفكرية والجمالية التي قادتها إلى بناء مدارس وتوجهات مسرحية لا أرسطية، استبدلت منطق الاتباع بالأفق المفتوح للابداع، وراهنت على تجاوز الكائن نحو الممكن والمحتمل. ويمكن أن نذكر على سبيل المثال لا الحصر، مسرح العبث، والمسرح الحي، ومسرح الوقعة، وتجارب كل من بيتر بروك، وجون لوي بارو، وروميو كاستلوسي... .

 تتخذ "آل سنسي" من زنا المحارم موضوعا لها. وهو موضوع عام يمس البشرية جمعاء، ولا يختص بمجتمع دون غيره. كما أنه أيضا مرتبط ببعض القضايا الأزلية، والقدرية، ويتسم بالقدم، والأبدية. وتدور المسرحية حول التاريخ الرهيب والأسود للعجوز فرانسوا سنسي François Cenci الذي بعد أن تسبب في موت ابنه، قام باغتصاب ابنته بياتريس Béatrice، وإذلالها. فما كان من هذه الأخيرة إلا أن تواطأت مع زوجته، واثنين من المرتزقة اللذين قاما باغتياله ببشاعة، غارزين مسمارين في عينيه، ورقبته.

سعى أرطو من خلال "آل سنسي" إلى تطبيق بعض الجوانب من تصوراته النظرية. وهي من التراجيديات الخالدة التي أعطت لأرطو تميزه وفرادته على مستوى الكتابة الدرامية، والكتابة السينوغرافية، والإخراج المسرحي. ويشكل حضور القسوة بالمفهوم الآرطي أحد أبرز معالم وقسمات هذه المسرحية، بما في ذلك الجو العام الذي توحي به الإرشادات المسرحية. وما دام أن القسوة هي الوجه الآخر للحياة، أو هي الحياة في حد ذاتها،  فإن ذلك ما دفع بأرطو إلى جعل شخوص مسرحيته يتجرعون قسوة ومرارة الحياة، والعنف الكوني، والألم المتجاوز للحدود، والشر المستطير، والرؤية المأساوية المظلمة التي لا فكاك منها...