اليوسفية جيلالي وساط

لم يعُدْ للعجوزِ فاطنة في الآوِنَة الأخيرة مِنْ موضوع للحديث سِوَى موتِ زوْجِهَا، كُلَّما زارتها جَارةٌ، أو زَارتْ جارةً، أو جلست مع مجموعة من النساء أمام أحد الدُّور عند الأصيل، تروي حِكايتهاَ.
ها هي تبدأ، إنَّ بقية النِّساء لَيُصْغِينَ إليها بِكُلِّ اِهتمام رغم أنَّهُنَّ قد سمِعْنَ القِصَّة مِراراً، رُبَّما لأنَّها تُلَوِّنها كُلَّ مَرّة بِلوْنٍ جديد مِن الكلام، لكنَّهُنَّ يَعْلَمْنَ كذلك مدى حُزنِها ووحْدتها، فَيُصِغْنَ السَّمع كأنَّهُنَّ في مَجْمَع عزاء.
ها هُوَ صوتها النحيل ـ هي النَّحيلة ذات العينين الصّغيرتين وآثار جَمالٍ غابِر رغم غضون الزَّمان ـ ها هو يَنبثِقُ في البداية خافتا ثُمَّ سرعان ما يعلو، فَيُسَيْطِرُ على أسماع الجميع:
ـ في ذلك اليوم نمت بعد العصر، آه، لكم نهتني أُمّي عن النوم في ذلك الوقت في صِغري ! لَكِنِّي أغفيت ورأيت الحلم.
تصمت لحظة ثم تُضيف:
ـ كانت هناك مجموعة مِنَ الشِّيخات في أبهى زينَتهِّن في مكان غريب كأنّهُ غابة تشِعُّ مِنها الأضواء، كُنَّ يُغنِّينَ أغنية جماعية.
تتوقَّفُ العجوز فاطنة مرَّة أخرى عن الكلام، تمسَحُ بعض الدموع التي تكون قد سالت على خدَّيها، ثم تسْتَمِّر:
ـ كانت الأغنية تدور حول رجل على ساعِدِهِ الأيمن وشم، وندبة على خدِّه الأيسر، رجل هو سيِّدُ الرجال، لكن الغربة أنْهَكته وأضنته فلم يَعُدْ قلبه يتحَمَّلُ المَزيد.
تتنَهَّدُ ثم تضيف:
ـ وتحَّوَل غِناء الشّيخات إلى ما يُشْبِهُ العويل، إلى غمغمات لم أعد أسْتَبينُها، قبل أن يختمن نشيدهُنَّ القدري بالنبوءة الوخيمة: عندما سيسقط المسكين وتنبجس من رأسه الدِّماء، ستسقط كذلك نجمته من السَّماء، ستُرْسِلُ ضوءًا باهراً إلى العيون ثم تختفي إلى الأبد٠
في هذه اللحظة تبدأ بالنشيج، وحين تتوقف تُكمل قائلة:
ـ لم أسأل الفقيه، لم أسأل أي أحد، عرفت أنهم يتحدَّثون عن
أحمد، وأنَّ لا رادَّ لنبوءة القدر، وأصبحت أنام في فناء الدَّار أراقب النُّجوم، وفي تلك الليلة حين اِلْتَمع ذلك النجم تلك الاِلتماعة الرهيبة ثم بدا أنه يهبط باِتِّجاه الأرض قبل يختفي، فهمت أن ما كان سيقع قد وقع.
وتُضيف:
ـ في عصر اليوم التالي سمعت دقات على الباب، وحين فتحت ورَأيتُ أولئك الرِّجال، لم أدْعهم يتكلمون، قلت لهم: إذن، فقد سقط أحمد ومات، وأغلقتُ علَيَّ الباب.