ليلى بارع

 

يعد الكاتب عبد القادر الشاوي، السفير الوحيد في الدبلوماسية المغربية الذي قضى أكثر من 15 سنة من عمره خلف القضبان بسبب قناعاته السياسية، كتب خلالها عمله الأشهر «كان وأخواتها»، وأصدر أعمالاً في مجال الأدب والفكر والسياسة والترجمة. لم يمنعه انتماؤه لليسار من انتقاده، ولم يهتم بتوثيق تجربة السجن، فكتب أعمالاً أدبية ثانية في تشيلي. 
■ «كتاب الذاكرة»، هل كانت كتابته ستكون نفسها لو تمت في المغرب بدلاً من تشيلي؟
□ هذا الكتاب لم يرتبط في ذهني بمكان محدد، وإن كنت قد حررت جميع صفحاته في تشيلي البلد الذي أقيم فيه منذ فترة. وكان من الممكن أن أنكب على تأليفه في المغرب بدون الاعتبار، لمختلف الإكراهات التي يمكن أن تؤثر في صياغته. فالتأليف الثقافي الفكري لا يثير في المغرب أي إشكال. ربما، كانت مشكلة تأليف «كتاب الذاكرة» في تشيلي أنني حرمت نفسي، بحكم البُعد، من الاستفادة العملية والفكرية والعاطفية، كذلك ممن كان من المفروض أن أستفيد منهم من خلال النقاش والاستذكار والمراجعة. وفضلت، بدافع العزلة والمسافة والتجاهل في بعض الأحيان، أن أنكب على استحضار الذاكرة الشخصية الحافظة ومراجعة بعض الكتابات والاستفادة من بعض المراجع. تشيلي وفرت لي ذلك الهامش المطلوب، للكتابة المتأنية المرتبطة بالمراجعة.
الكتاب بهذا المعنى هو حصيلتي (المؤقتة)، أي المرتبطة بوعيي الحالي، في مجالي العمل الثقافي والكتابة الأدبية، للاستدلال على مرحلة ملتهبة من العمل والمساهمة والمشاركة أو ما كان يعتبر في تلك المرحلة، مع تبدل الظروف وتوالي التطورات وظهور أشكال تقنية جديدة للتعامل وللتواصل، عملا ومساهمة ومشاركة.
■ العودة للقديم والذاكرة، تستلزم جهداً مضاعفاً قد نضيف أو نحذف أو ننسى؟
□ لم يكن في الأمر أي تعقيد لأنني كنت على بينة، الكتابة عن الماضي، إذا اعتبرنا «كتاب الذاكرة» كتابة عن الماضي، هي أيضاً كتابة عن الحاضر. كنت على دراية بـالاستذكار والاختيار، أي قراءة الماضي الثقافي الذي تطور فيه مساري الشخصي من زاوية خاصة. وكنت ايضاً على دراية بالماضي والتأويل، وتحقيب الماضي من الناحية الثقافية من خلال دور الفاعل الثقافي فيه حسب المراحل والأوضاع، التي اشتغلت عليها. وتأويل الماضي، انطلاقاً من الحاجة المعرفية التي تدعو إلى ذلك على هذا الأساس، أبين أن العوامل (الذاتية والموضوعية) المحيطة بالمجال الثقافي وبالمثقف الفاعل فيه تساعد على رسم البيان التطوري للقيم العامة التي اخترقت وتفاعلت في الحياة الثقافية العامة. وهناك أيضا الكتابة والأنا، إذ إن الكتابة عن التجربة الثقافية في تطورها العام في ارتباط بالكاتب من الأمور المعقدة التي لا تسمح بالتجريد ولا تتناسب مع المفارقة ولا تجوز، إلا من خلال الانتباه الشديد لمجمل العوامل المُساهِمة في التطور الثقافي. لقد قمت بمراجعة المجال الثقافي كأحد الفاعلين فيه. إن اختيار الحالات والصفات والمواقف والتصورات وما إلى ذلك يكاد أن يكون قدر البحث والباحث عن القيم المضافة التي يمكن أن تكون قد تحققت في التاريخ وفي التطور على المستوى نفسه. إن الكاتب الفرد لا يحقب تطوره الفكري فحسب بل ويحقب في الآن نفسه المجال الثقافي الذي ارتبط به. وفي تجربتي، من باب الارتباط النضالي لأنني اسمُ عَلَمٍ متداول وعضو في منظمة يسارية سرية لها أكثر من مهمة تعبوية للإنجاز. لا يتعلق الأمر بالارتباط الذاتي بالموضوعي او بالعكس بل بالتفاعل. وأستطيع القول إن «كتاب الذاكرة» يتميز بنوع من الكتابة التفاعلية لأنها من حاصل التقاء عاملين متداخلين هما الذات والتاريخ. وهي إذن ليست كتابة تاريخية ولا ذاتية محضة ولا محايدة ولا هادئة.
■ «كان وأخواتها» «والساحة الشرفية» عملاك الأكثر شهرة أدبياً، لو قدر لك كتابتهما في مرحلة أخرى، هل كنت لتضيف أحداثاً جديدة؟
□ في «كان وأخواتها»، لم أكن واضحا وصريحا في القول وسرد الإكراهات التي تصاحب المعتقل ووجوده في السجن (الحرمان العاطفي والجنسي والتعذيب المعنوي بطبيعة الحال…). وربما كان من المفروض أن أكون أقل نرجسية وأكثر إبلاغا في الحديث عن المجال السجني وشخوصه وممارساته اليومية، خصوصا فيما يرجع لانهيار كثير من البنى الفكرية والذهنية وانهيار الذوات أساسا في نطاق المواجهة التي فُرِضَت على المعتقل السياسي الحامل لأيديولوجية التغيير والطامح إلى بناء السلطة البديلة. لقد صدر الكتاب قبل أكثر من ثلاثين سنة ولم أكن في مستوى وعي هذه الأبعاد جميعها. أما بخصوص «الساحة الشرفية» فقد استوفيت الموضوع حقه من خلال الحكاية التي بلورتها للحديث بطريقة ميتافورية عن مغرب متعدد تتوزعه سلط مختلفة وسلطة الطبيعة (الجفاف) تتحكم في مصير الأفراد والجماعات. 
■ في تجربتك يطرح سؤال علاقة المثقف بالسلطة، خصوصاً أنك كنت سفير المغرب في تشيلي؟
□ علاقتي بالسلطة، لا تختلف عن علاقة أي مواطن آخر من حيث القرب أو البعد بتلك السلطة من الناحية الوظيفية. وفي تجربتي الشخصية، كما في تجارب الآخرين الذين يرتبطون بوظيفة محددة في الدولة، علاقة بجهاز معين، من بين أجهزة دولتية أخرى، يؤدي خدمة اجتماعية وسياسية في المجال العام. علاقة المثقف بالسلطة ليست قدرية ولا جبرية بل اختيارية وإيديولوجية يشخصها الانحياز وتعبر عن الموالاة، أما المسافة مع السلطة (رجعية أو تقدمية)، إنْ قربا أو بعدا، فتتحدد بوعي المثقف.

الربيع العربي والرواية

■ إلى أي حد غيّر الربيع العربي سمات الرواية، وكيف تقيّم دور المثقف في التعامل مع هذا الحدث؟
□ لا أستطيع الجزم بأن الرواية العربية اهتمت بما سمي بالربيع العربي بوصفه من التحولات السياسية التي اخترقت وجود ومصير كثير من الشعوب العربية والأمازيغية كذلك، لقلة اطلاعي على الموضوع وندرة قراءتي فيه، إلا أنني أستطيع الادعاء بأن الفن الروائي لا يمكن أن يتجنب الخوض التعبيري والفني في مختلف الأوضاع المرتبطة والمحيطة بوجود الكاتب في المجتمع والحياة. أما مشاركة المثقف في أي حدث اجتماعي أو سياسي ممكن فترتبط حتما، باستعداد المثقف نفسه ودرجة وعيه بالأوضاع القائمة من حوله، وبقدرته على صوغ الأدوار المناسبة لعمله ومجالات تدخله.
■ كنت شاهداً على مرحلتين من تاريخ المغرب، ما قبل وما بعد المصالحة التاريخية ما هو الأثر الثقافي الذي تركته هذه المصالحة؟
□ تجربة (المصالحة المغربية) ملتبسة رغم أنها كانت تجربة مهمة بدون أن تكون فاصلة لأنها لم تكن مبادرة واعية بذاتها، وربما لم تكن «الحاجة الملحة» على مستوى الوعي والتاريخ والمطالب السياسية قائمة على صعيد المجتمع تطالب بها وقد تفرضها. هي من وعي فئة محدودة من المشتغلين بقضايا حقوق الإنسان، ومتطلبات السياسة البراغماتية التي انتهجتها الدولة من زاوية الاستمرارية وليست القطيعة، وكتجربة لم توفق في القيام بحوار تمهيدي شامل بين المعنيين ومن بقي منهم على قيد الحياة. ولم يوجد لتجربة المصالحة أي أثر ثقافي دال على صعيد المجتمع، بل وفي مدى زمني لا يتجاوز العقد تقلص الاهتمام بها تدريجياً حتى لدى الفئات التي تحمست لها في بداية العهد.
■ يتحدث الجميع عن الموت التاريخي لليسار، ماذا عن تجربته في المغرب؟
□ معضلة اليسار المغربي، مزدوجة: معضلة أداة للقيادة وللبناء وللنضال وأخرى للتفكير النظري في مقومات الإصلاح. ودونهما في الوقت الحالي ذلك الانقسام شبه السرطاني على الذات الذي يمنع، منذ سنوات فيما يبدو، كل إمكانية لتجاوز الحلقية والتشرذم ، إلى وجود نوع من الكسل النظري والسياسي الذي يبدو أنه توقف نظريا عند المبادئ العامة لتطبيق الاشتراكية في البلدان المتخلفة ولم يفلح في مقاربة الواقع المتغير الذي يلهج في أدبياته بتغييره. المد الإسلاموي والسلفي لم يتغول على صعيد المجتمع إلا لوجود تلك البنية الدينية عرضة لمختلف أشكال وأنواع الاستغلال، خصوصا أنها تُسهِّل التحريض وتمجِّد الشعبوية وتستطيب الخرافة والشعور بالرضا والقناعة.
■ كيف تقيم العلاقة بين الثقافة وأشكال التعبير الجديدة؟
□ مع تطور أشكال التواصل وتغير واتساع أساليب الاستقبال والتداول، فإن العمل الثقافي عموماً سيظل باستمرار في حاجة قصوى لمختلف أشكال التعبير والتواصل التي يمكن أن تصوغه وتقدمه كخدمة مجتمعية لعموم الراغبين. الأمر الذي يفرض، أدوات مغايرة. المثقف لا يمكن أن يكون، في ارتباط أو في تبعية أو في استقلال عن العقائد والجماعات والتوجهات، إلا منتج أفكار في المجال الخاص الذي يتفرغ للإنتاج فيه، وعلى الفاعلين الآخرين أن يسعوا بدورهم لاحتلال المجال التواصلي على الصعيد الثقافي والمهمة في التجارب السابقة لم تكن مفهومة على هذا النحو، وربما يعود فشل كثير من التجارب إلى هذا فضلاً عن التمويل.