تزحف خطانا نحو آخر يناير، ولا تدري هل تلمس تراب ذلك اليوم أو تنغرسُ في عرقِه، كما انغرسَ أخي العزيز الطاهر دحاني ـ رحمه الله وخلّد في الصالحات ذكره ـ قبل تسع سنواتٍ خلتْ.

رأيته مرتين، مرةً ليلاً مرَّ أمامي مسرعاً، بالتفاتةٍ اختلسها نحوي أو اختلستها إليه، ومرّةً صباحَ هذا اليوم على صفحة أحد الأصدقاء الفيسبوكيين، أدرَجَها ـ مشكوراً ـ  ليلفت انتباهي إلى اقتراب موعد ذكراه الجميلة الطاهرة كاسمه.

وحسناً فعلَ، وإن كنتُ لمْ أنشغلْ عن الذكرى، فأمثاله كشمس الشتاء، وظل الصيف، ونسيم الربيع، وتمور الخريف. يسري اسمه في حنايا عروقي كالجدول الرقراق فيسبق دماءها. يلفه قلبي بغشاءٍ سميكٍ من وفاء الصادقين لا المتغزلين، وشوق المتصوفين لا العابثين، حتى صارَ جزءاً من نبضاته  التي زادتْ واحدةً بعد لقاء ربّه.

كنا نلتقي في بيتِ والدته "نانّا" بنتِ خالةِ والدي رحمهم الله، وكانت مثله طيبةً مرحةً، محبّةً للخير؛ فيسلينا بطرائفه ومُلَحِه، أمام صينية شاي أو قهوة تزيّن جلسةً عائليّةً رقيقةً ماتعةً. كم كان مثلي يحب الجبن الأعجمي، يشجعني على التهامه مع كلّ رشفةٍ أو رشفتيْن، وتبقى المعجنات من قدرِ غيرنا ونصيبهم، لا نلقي لها بالاً، وربما واساها الطاهر أو ضلّلَ العيون الرامقةَ بقضمةِ طفلِ وليدٍ من حشْوها.

بعد عصر يومٍ ما في حياته، كنا نذرع شارع محمد الخامس، نتقاسم كؤوس الأدبِ والشعر، يرشها بحلاوة المُلحِ التي لا تعرفني ولا أعرفها، ولا تتذكرني ولا أتذكرها رغم العشرات التي سالت منها أمام سمعي وبصري. فجأة توقفَ، اشترى سيجارتيْن، وقال لي: "كلما ازددنا أقدميّةً ازددْنا فقراً"، وهو تعبير بليغ طافح بالمضامين الناقدة الهادفة، وأتذكر أنه في تلك المرحلة كان يعكفُ على بناء بيت العبور، وها هو قد تركه في انتظار بيتِ القرار. جعل الله مثوانا ومثواه الفردوس الأعلى من الجنة إن شاء الله.

وما يؤلمني حقاً أن يمر على رحيله عنا كل هذه السنين، دون أن أرى شيئاً من إبداعه يخرج إلى الوجود. فالإبداع قصةُ عمر صاحبها فلا تحرموه منها، وتحرمونا من تفاصيلها، ولا تحرموا أنفسكم من أجرها يا من يملك منها غيضاً أو فيضاً.

حينما رأيته ليلة أمس عابراً، طافت على لساني هذه الهمهمات، فأردت أن أتقاسمها مع الأوفياء لذكرى هذا الشاعر العظيم:

رأيتك ليلة الأمس اختلاساً في طريق الأولياء

جميلا طاهراً تدنو إلى نجم تلألأ في السماء

تأمل فيك طرفي دون حدّ ليس هذا الوجه عن وجهي ضنين

يفر إليك قلبي عازفا لحنا تدغدغه أهازيج الحنين

فيروي كل من حولي بأذكار المريد ، فكدتُ من سكري أطير.

لألقى الطاهر الميمون لكن سكرتي ردّت خطايَ إلى السريرْ.

 

 

   المرحومالطاهر في ريعان شبابه، عام 1966 (18 عاماً)