منجي العمري

تأمّلْ ذكرياتك عن كثب، وأوّلْ تضاريسها بارتياب كشاهد زور على زيف المآلات، وقبح البدايات. استجمعْ بقيّة من خوف لتسرد قصّتك على نفسك ولا ترتبكْ. اكتب بشيء من الظنّ مرتجفا منطقة البين بين في نفسك ولا تتردّد كأنّك في القبر أمام ملكْ، تخيّر كلامك ولا تسرف في محوه بالانكسار: لا شيء أفدح من الصدق وأنت تناور في زمن حالك كآخر هذا الزمان. كان القدامى يقولون إذا احتمت بقصصك الأكاذيب فلا تفسد على سامعها متعة التفاصيل، احتفظ فحسب بركن في آخرالقصّة لبعض الأساطير.
أنا لا أعجز عادة عن إيجاد أسطورة تبرّر فقدان بعض التفاصيل، ولكنّي أشعر بالعجز عن إنقاذ أبطالها وقد علقوا تحت أزمنة من ركام المتاحف. أدرك أنّك حين تحصي الخسائر بعد دمار الكتابة لن تحصي من بينها حاجتي للقصائد وولعي بالخيال والانتصار في الفصول الأخيرة. منتهى الربح أن تهدم الحرب البيوت فيعيد سكّانها تشييدها بالقصائد. صحيح أنّ القوانين لا تسمح بغير المدائح في ذلك الوقت، وتضبط قائمة صارمة لوجه الشبه وحدّا ضئيلا للاستعارة. ولكن، ألم تكن ثمّة فرصة للشعراء قبل الدمار كي ينشدوا تلك المراثي تحت سقف البيوت وفي آخر منعطف من طريق المجاز؟
لا شأن للخيبة بالوزن حينئذ لكنّ مشهد الذكرى بدا لي وزنه تقارب خببا عن غير قصد كبيت تمرّد غادره الشعراء تتّسع بيداؤه عند الغروب للخيل والليل أكثر ممّا يجب. تفرّ القوالب في الشعر بخيبتك إلى صفحة في الأخير ستأتي لتخبرك بما فاتك الآن حكمه: القصائد لا تحسن المشي على مهل في العصور الرتيبة. لا شيء أعسر على عاشق من سقوط الموازين في الصمت. يكره الشعراء فضيحة سوء التخلّص من زمن باهت تسرّب في آخر تفعيلة.
إذا كان لا بدّ لاختلال الموازين من فضل فحسبك أنّه لا يترك للكذب فرصة كي ينطلي من جديد. -