محمد بوزيان بنعلي

 

في عصرنا هذا أصبحت كلمة (نجوم/ stars) مصطلحاً فنيا ورياضيا بامتياز، ولكن المصطلح في حدّ ذاته ليس اختراعا أو إضافةً حديثةً، فقد كان مستعملاً في مجتمعنا العربي الإسلامي منذ عهد النبوّة على أقل تقدير، إلا إن حمولته الدلالية كانت منصرفة إلى العلم النافع والإرشاد السليم.. فَمَن منا لا يحفظُ ذلك الأثر الشهير في وصف الصحابة الكرام: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم".. وعلى الرغم من عدم صحته فإن الربط بين النجوم والصحابة نطقَ به حديث صحيح رواه مسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "النجومُ أمَنةَ للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماءَ ما توعد. وأنا أمنةٌ لأصحابي، فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يوعدون. وأصحابي أمنةٌ لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يُوعدون" .

ولابن قيم الجوزية كلامٌ نفيس يبيّن سبب تشبيه العلماء بالنجوم، قال رحمه الله: "أما تَشْبِيه الْعلمَاء بالنجوم فَإِن النُّجُوم يُهتدى بهَا فِي ظلمات الْبر وَالْبَحْر وَكَذَلِكَ الْعلمَاء.. والنجوم زِينَة للسماء كَذَلِك الْعلمَاء زِينَة للأرض.. وَهِي رجوم للشياطين حائلة بَينهم وَبَين استراق السّمع لِئَلَّا يلبسوا بِمَا يسترقونه من الْوَحْي الْوَارِد إلى الرُّسُل من الله على أيدي مَلَائكَته وَكَذَلِكَ الْعلمَاء رجوم لشياطين الإنس وَالْجِنّ الَّذِي يُوحى بَعضهم إلى بعض زخرف القَوْل غرُورًا، فَالْعُلَمَاء رجوم لهَذَا الصِّنْف من الشَّيَاطِين، ولولاهم لطمست معالم الدّين بتلبيس المضلين، وَلَكِن الله سُبْحَانَهُ أقامهم حراسا وَحفظةً لدينِهِ، ورجوماً لأعدائه وأعداء رسله. فَهَذَا وَجه تشبيههم بالنجوم..."

أما الشعراء فقد جعلوا من العلماء الذين تحملوا مسؤولية التبليغ والهداية نجوماً أو سْتاراتٍ بالتعبير الراهن، قال أحد البغداديين يرثي أبا بكر بن دريْد:

فقدناك فقدان المصابيح في الدجى                إذا ضلَّ قصد عـن هداية مقصـــد

وماتتْ بمـوت العلـم منك قلوبـنــا                  وكـنـت حـياها لم تزل بك ترشـــد

وقال أبو تمام يمدح حجوة بن محمد الأزدي وأخاه قرماً:

نـجْـمـا هُـدىً هاذاك نـجـمُ الـجـدْيِ إنْ             حـارَ الـدّلـيـلُ وذاك نـجـمُ الـفــرقــــــدِ

هكذا كان سْتاراتُ الزمن الجميل يعلّمون ويهدون وينشرون روح المسؤوليّة في مختلف الشرائح الاجتماعية،علما أنه كان بينهم شياخٌ وشيخاتٌ مشهورون في الغناء والشذوذ، فلم يصفوهم بذلك...

 أما سْتاراتُنا الراهنة، التي هامَ بها قطاعٌ واسعٌ من صغارنا ومراهقينا وشبابنا وتعلّقوا بها إلى حدّ الوثنيّة، فهي في الحقيقة سِتاراتٌ (بكسر السين) تستر عنهم النوافذَ التي ينبغي أن يطلوا منها على معالي الأمور، وتقعد بهم عن اقتحام العقَبَة، وأخذ المبادرة للتفكير الجدّي في مستقبلهم، وبنائه بكل عملٍ شريفٍ وكسْبٍ نظيفٍ، يعيشون به كما أرادَ الله وكتبَ.. لا بالاستخذاء وشراء الأوهام، وانتظار العبور إلى ضفافٍ صار الخناقُ يستحكم حولها يوماً عن يومٍ..

وكلّ من هذيْن الصنفيْن إمامٌ: نجومُنا كانوا أئمة يدعون إلى الله، ويرشدونَ إلى حياة الاستقامة والبناءِ والإنتاج، بعيداً عن البهارج والزخارف والكماليات.. وسْتاراتُهم أئمة أيضاً، ولكنهم يقتلون الضمائر، ويخرّبون الأخلاق، ويوزعون الرخاوةَ والخلاعة والتكسّر والانكسار والعقد النفسية التي تنعكس على سلوكهم بما نراه ونلمسه، أو همْ كما قال تعالى: أئمّةٌ يدعون إلى النار...

وإننا لنعترف على مضض وأسىً أن هؤلاء السْتاراتِ الجدُدَ فرضوا ثقافةً جديدة وواقعاً جديداً، واستعماراً جديداً هم أئمته وفلذاتُ أكبادنا رعاياه وضحاياهُ في ذاتِ الوقتِ. وها هم يتصرفون فيهم، ويشكّلونهم كما أرادوا على مرأى ومسمع من علمائنا الذين لم يستطيعوا أن يفرضوا أنفسهم، ويرثوا نجومية السلف الصالح، لأنهم يتقاطعون مع هؤلاء السْتاراتِ في كنز الذهب، ومدّ العيون إلى زهرة الحياة الدنيا، لا في النصيحة والتبليغ.. وقانا الله وإياكم شر الفتن ما ظهر منها وما بطن. آمين والحمد لله رب العالمين.