بقلم انيس منصور

 

أشهر إنسان أمسك في يده فانوسا، هو فيلسوف يوناني قديم اسمه «ديوجين اللائرسي».. وهو لم يدخل التاريخ لأنه أمسك  فانوسا.. فما أكثر الذين أمسكوه وصنعوه وكسروه.. وتحركوا في ضوئه! ولكن لأنه أمسك الفانوس في وضح النهار! وكان الناس ينظرون إليه ويضحكون.. أما الذي يضحكهم فهو أن رجلا عاقلا حكيما مثله يمسك فانوسا في ضوء الشمس.. كأن نور الشمس لا يكفيه في البحث عن الذي يريد! ولما سألوه: عن أي شيء تبحث؟ كان جوابه المشهور الذي لا يزال حكيما: إنني أبحث عن إنسان! إنه لا يبحث عن إنسان.. فما أكثر الإنسان! إنهم في زمانه بعشرات الملايين وفي زماننا بألوف الملايين.. ولكنه يبحث عن القيم الإنسانية: عن الخير الخالص والحب الصادق والجمال الصافي والعدل المطلق.. إن هذه القيم لم تعد موجودة بين الناس.. وإنما نحن نجد أناسا قد تحولوا إلى حيوانات أخرى: جبناء أو مصاصي دماء أو جشعين أو مغرورين أو كذابين أو أنانيين! إنهم يمشون على ساقين ويتكلمون لأنهم بشر.. ولكن، هل كل إنسان هو إنسان حقا.. أي: يكفي أن يكون الإنسان ناطقا لتتجسد فيه كل قيم الإنسانية؟ إن واحدا فقط هو الذي تنطبق عليه هذه الصفة: إنه الطفل.. فهو الإنسانية الصافية الخالصة.. ولكنه الإنسانية الخرساء.. إن الطفل قطعة لحم إنسانية، فلا هو قادر على العطاء أو على التعبير.. وكل إنسان يحمل في يده أو في عقله أو في قلبه فانوسه الخاص الذي يبحث به وفي ضوئه عن المثل العليا التي يحلم بها ويستريح إليها.. وقد يعيش الإنسان ويموت دون أن يجد هذا الذي يبحث عنه! وما الصيام إلا شهر يخلو فيه الإنسان إلى الإنسان لعله يهتدي إلى هذه المعاني - أي: يخلو فيه الإنسان إلى نفسه لعله يجد نفسه أو يجد غيره، وليس كل الناس سعداء إلى درجة أن يجدوا بسهولة ما يريدون. والذي يخفف عن الإنسان، أنه ينشغل تماما بالبحث عن الطعام والمركز والبيت، وينسى في الزحام أنه لم يجد نفسه ولم يجد غيره.. ويمضي العمر ويذبل ضوء الفانوس والفانوس نفسه، وقد لا يجد الإنسان أحدا أو شيئا. إلا من هدى الله.. وما الهدى والهداية إلا من عند الله!