في الانظمة الديمقراطية تفرض فكرة الائتلاف نفسها على الفاعلين السياسيين في حالات شتى؛ من اهمها اولا طبيعة نمط الاقتراع ؛مثلا النسبي والانتخاب على اساس اللائحة ؛والذي يكون الهدف منه تجاوز الاقتراع على اساس الولاء للافراد من اجل الاقتراع على اساس البرامج السياسية والتي غالبا ما تعبر عن اختيارات اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية .. يفترض انها تعبر عن اصطفاف طبقي او فئوي أي تعبر عن مصالح اجتماعية لشرائح وطبقات اجتماعية.

اما الحالة الثانية للائتلاف فيفرضها ما يواجه النظام السياسي من تحديات خارجية او داخلية ؛ الشيء الذي يحتم تكتل قوى معينة لمواجهة هذه التحديات او حتى التهديدات .

هل يمكن في الحالة المغربية الراهنة الحديث عن ائتلاف حسب المنظور الاول ام المنظور الثاني؟

اذا تاملنا الواقع السياسي المغربي ونمط الاقتراع المعتمد الذي يقوم على اساس الاقتراع النسبي باللائحة؛ فانه من المستحيل ان نتحدث عن حكومة ذات لون سياسي واحد؛ بل كل تشكيل حكومي يحتاج الى ائتلاف قوى متعددة وهو ما كان سائدا منذ انطلاق المسلسل الديمقراطي بالمغرب بعد استرجاع الاقاليم الصحراوية .اذ كان الائتلاف يتكون غالبا من الاحزاب التي كانت تنعت بالادارية ؛ واحيانا كان ينضاف اليها قوى وطنية وديمقراطية ؛ مشاركة حزب الاستقلال ثم مشاركة الاتحاد الاشتراكي ؛ الى حين الحديث عن تناوب توافقي الذي عرف دخول احزاب الكتلة الديمقراطية مع القوى التي كانت تنعت بانها ادارية.

ما يمكن استخلاصه من هذا الشكل من الائتلاف انه لم يتجاوز الحدود المرسومة سلفا من طرف المتحكمين في زمام السلطة الفعلية ؛أي ان الحكومات المتعاقبة طيلة هذه الفترة ؛كانت حكومات شكلية او عبارة عن موظفين سامين يساعدون المالك الفعلي للسلطة .كما ان اغلب الفاعلين السياسيين لم يستمدوا شرعية ممارسة المسؤولية للشأن العام من خلال التفويض الشعبي ؛بالإضافة الى ان المؤسسات الدستورية كانت عاجزة عن القيام بدورها ؛ وهو ما جعل ممارسة السلطة لاتختلف بين هذا الائتلاف الحكومي وما سبقه وما اتى بعده.

اما الشكل الثاني من الائتلاف الذي يكون اساسه هو تحديات داخلية او خارجية فقد عرف المغرب هذا النوع من الائتلاف ابان الصراع من اجل استرجاع الاقاليم الصحراوية ؛وما ميزه هو طغيان الخطاب الوطني على حساب الاجتماعي رغم انه تزامن مع بداية انفراج سياسي وتدشين ما سمي آنذاك بالمسلسل الديمقراطي وخروج قوى سياسية من السرية الى التنظيم العلني اذ لم تخل هذه الفترة من ازدواجية القمع والانفراج السياسي .

و يمكن ان نضيف الى هذا الشكل حكومة ما بعد دستور 2011لانها تلت الحراك الجماهيري لحركة 20فبراير والذي توج بدستور نعت بانه ديمقراطي ومتقدم ؛الا ان الفاعل السياسي الاساسي في هذا الائتلاف لم يدرك باننا في مرحلة انتقالية نحو تأسيس فصل السلط وتكريس سلطة الشعب من خلال ممثليه ؛حيث مارس هذا الفاعل نوعا من الشغب والتشويش ؛اعتقادا منه انه تمكن من فرض سيطرته. ولذلك حاول ان يبحث عن القوى الضعيفة والتي لا تمتلك لا تصورا ايديولوجيا ولابرنامجا ؛ بل هو نفسه ليس له الا مشروع نكوصي يقوم على اساس تفسير معين للدين ؛فمارس طيلة الولاية السابقة جدالا وخطابة قريبة من الحس العام ؛وهذا ما جعله يفشل في استمرارية تجربته لان القوى المؤتلفة معه ليس لها معه أي نقط التقاء .هذه الممارسات هي التي يمكن ان نفسر بها الفشل في تشكيل حكومة من طرف بنكيران لأنه لم يأخذ بعين الاعتبار تغير الظروف ؛ فظروف 2011ليست هي ظروف 2017؛ثم ان الحركة الاسلامية في العالم العربي الاسلامي لم يثبت انها تمتلك اغلبية حتى في البلدان التي جربت الاقتراع الديمقراطي ؛مصر؛تونس؛ المغرب؛وكونك الاول لايعني ان لك الاغلبية ؛ بل الاخرون هم الاغلبية .واظن ان خطأ الاسلاميين هو هذا الوهم بانهم يمثلون الاغلبية ؛ كما انهم لم يأخذوا بعين الاعتبار المقاطعين للانتخابات ؛ وهم غالبا فئات الشباب والطبقة الوسطى والمثقفين ؛وهم لايمثلون هيئة ناخبة للإسلاميين ؛بل قاطعوا لانهم يعتقدون ان اللعبة السياسية غير مؤسسة وايضا نظرا لفساد القوى السياسية التي كانت تمثلهم. كما ان هذه الشرائح المقاطعة لم تستطع ان تبلور وعيا مشتركا يجعلها تنتقل من الوجود بالقوة الى الوجود بالفعل .

هذه الحالة هي التي دفعتنا الى طرح اشكالية الانتقال الديمقراطي الذي دام اكثر من اللازم منذ1975ومازال ؛في حين انه في كل الدول لم يتجاوز عقدا اوعقدين ؛ اسبانيا ؛ البرتغال ؛امريكا اللاتينية ؛جنوب افريقيا...اذن لماذا فشل الانتقال الديمقراطي او على الاقل لماذا لازال مستمرا كل هذا الوقت؟

اعتقد ان المشكل اجتماعي اولا وثقافي ثانيا وسياسي ثالثا.

 من الناحية الاجتماعية نحن نعيش داخل اسرنا ومجتمعاتنا تحت سلطة الاب وسيادته المطلقة واحيانا يشاركه فيها الجد والعم والخال ...وثقافيا نحن نقدس الماضي ونعتقد انه يمثل ازهى فترات التاريخ ؛ وبالتالي على الاجيال الشابة ان تقتدي بالأجداد . كما ان تصورنا لهذا الماضي غير واقعي ولاعقلاني ؛ وهذا ما جعل المجتمعات العربية ومنها مجتمعنا ؛ تعاني من اشكال النكوص الماضوي.

اما من الناحية السياسية ؛ فان القوى التي تدعي الحداثة والعقلانية هي في العمق ليست كذلك لانها تعتمد على الكولسة وصناعة الزعيم وتعاني من سوء التسيير ومن ضعف الرقابة والمحاسبة وسيادة الراي الوحيد..فكيف يمكنها ان تنتقد الدولة وهي نفسها عبارة عن دويلات صغيرة لنفس الشكل السائد داخل المجتمع؟

يتطلب الانتقال الديمقراطي اذن ان نحسم في طبيعة المؤسسات على جميع المستويات من حيث الشكل والمضمون وان نبدأ من الاساس أي هيكلة ديمقراطية ومؤسساتية للتنظيمات الاجتماعية ؛ ثم بعد ذلك الانتقال الى مؤسسات الدولة ؛فكيف يمكن ان نحقق الانتقال الديمقراطي ونحن نشكك في شرعية تنظيماتنا الاجتماعية والسياسية والثقافية والنقابية؟

ان المتأمل للوضعية السياسية في المغرب ما بعد انتخابات 2017يلاحظ تفكك وشلل التنظيمات السياسية والنقابية وفقدانها للشرعية الشعبية ؛ولجوئها الى المناورة والتكسب على حساب مصالح الفئات التي تدعي تمثيلها .وهذا ما يؤثر سلبا على طبيعة النظام السياسي في المغرب ؛وهوما يجعل الخطاب السياسي فاقدا لأي شرعية .