ان موت إنسان واحد في مثل الظروف التي رافقت تراجيديا مقتل المغدور محسن فكري بالتأكيد اننا نقول هذا ونحن نعاين الفاجعة التي حلت بأسرته الصغيرة المكلومة في فلذة كبدها. وان شعور مجمل فئات الشعب المغربي بعمق المأساة ودلالات هذا المصاب الجلل هو الذي جعلها تعلن بمختلف أساليب الإدانة والاحتجاج ما شهدناه في مختلف مدن البلاد من تحركات ووقفات ومظاهرات. ولم تتخلف الدولة عبر رئيسها الملك محمد السادس عن التعبير عن ادانة الفعل وإصدار التعليمات بإجراء التحقيق الضروري ومحاسبة المسؤولين عن مأساة الحسيمة.

غير ان الاكتفاء بمقاربة المسألة بهذه الطريقة، غير مفيد في إعادة الأمور الى نصابها. ولعل المدخل الى ذلك هو الانطلاق من وقائع الحادثة والتفكير في تبعات نوع من ردود الفعل التي حاولت تجاوز معطياتها واخراجها من سياقها لطرح قضايا لا علاقة لها بالحدث بعينه. بل يمكن القول: ان محاولة إقحامها فيه هو ركوب انتهازي على مأساة أسرة مغربية تستحق كل التضامن، لخدمة أجندة أخرى تماما يبدو أن من وراءها عاجز عن التحرك مكشوف الوجه فاعتبر الحادثة المؤلمة ذريعة يمكن استغلالها لتحقيق غاياته غير النبيلة.

لست من الذين يفسرون الوقائع والاحداث وفق نظرية المؤامرة. غير ان هذا لا يعني انني غافل عن حقيقة ان الخصوم والاعداء يحاولون استغلال كل واقعة، هنا او هناك، لخدمة أجندتهم التي تمت بلورتها أساسا في مواجهة البلاد انطلاقا من محددات جيوسياسية تتجاوز الى حد بعيد كل الوقائع الممكنة، وبالتالي، فإن الحادثة المؤلمة ليست في عرف هؤلاء الا مطية أخرى للكشف عن رغباتهم المريضة ومحاولة تسويقها كما لو كانت عين الواقع الذي تعيشه بلادنا. وهذا ما تبين من سلوك القيادة الجزائرية ووسائل اعلامها مباشرة بعد حدوث الواقعة وخروج المواطنين المغاربة في مختلف المدن للاحتجاج والمطالبة بمحاسبة الذين وراء ازهاق روح مواطن مغربي. ذلك ان تركيز الدعاية الجزائرية على مسألتين في هذه الحادثة يكشف عن هذا الأمر بوضوح:

اولا، محاولة تقديم ما جرى في الحسيمة كما لو كان الواقع المعيش في بلادنا في كل مكان، وعلى مدار الساعة، وليس حدثا محددا لكن خطورته تستدعي التعاطي معه كما ينبغي من المسؤولية وبالصرامة التامة، حيث ذهب بالبعض خيالهم المريض الى تقديم المسألة باعتبارها نهاية للنظام الملكي بالمغرب، وهو الحلم العتيق لجنرالات الجزائر الذين لم يتركوا فرصة الا واستغلوها تحت يافطة مساعدة المغاربة على التخلص من نظامهم الملكي. إذ لم تتوقف القيادة الجزائرية منذ عهد هواري بومدين عن بذل كل الجهود الرامية الى المساس بالمغرب في استقراره ووحدته الوطنية بما في ذلك عبر تجنيد عصابات مسلحة في الجنوب وتمكينها من المأوى وكل وسائل العدوان على المغرب خلال أربعة عقود من الزمن تحت الدعوى الزائفة حول تقرير المصير.

ثانيا، محاولة توجيه خطاب مغرض الى المجتمع الدولي بهدف إنكار كل ما حققه المغرب المعاصر في المجالات الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة التي لا ينكرها الا جاحد حاقد، على غرار القيادة الجزائرية التي حاولت الزعم ان وضع المغرب بعد هذا الحادث يؤكد موقفها من المسألة الديمقراطية في المغرب، وان على المجتمع الدولي ان يسحب المسؤولية عن ملف حقوق الانسان من الدولة المغربية في أقاليمه الجنوبية بغاية إنجاح مشروع الانفصال الذي رعته وترعاه الى يومنا هذا ضدا على مصالح الشعب المغربي وخذلانا لكل طموح شعوب المغرب الكبير في التعاون والتنسيق وبناء الغد الذي ليس ممكنا ما لم يكن مشتركا.

ان ادراك المغاربة لهذا البعد من بين ابعاد اخرى، في تحركات خصومه وأعدائه، وانطلاقا من اتخاذ الموقف الواضح والقوي من قبل ملك البلاد لاحقاق العدالة ومعاقبة المسؤولين عن هذا الفعل الشنيع، هو الذي فوت الفرصة على المتربصين بالمغرب وشعب المغرب ويمارسون الاعتداء على حقوقه في مختلف المناسبات وبأساليب شتى. وهذا ما عبر عنه احتجاجه السلمي ومطالبته بمعاقبة من تثبت ادانته ورفضه لكل التحركات المشبوهة التي رغبت الركوب على الحادث لصنع وقائع اخرى على الأرض متنافية مع ما يطمح اليه شعبنا من تعزيز حقوقه والدفاع عن كرامته وعدم التساهل مع كل من يتطاول على حقوقه وكرامته بأي شكل من الأشكال.

وليس هناك مجال للشك ان القيادة الجزائرية وإعلامها المعادي والمضلل سيكتشفان ان رهانهما على انزلاق الأمور في بلادنا الى حيث يرغبان، هو رهان خاسر كما كان دائماً وكما تدل عليه كل وقائع العقود الأربعة الأخيرة. لكن القيادة الجزائرية عودتنا على انها لن تتخلى عن طموحاتها الهيمنية في المنطقة ومحاولة تفتيت الوحدة الترابية لدول الجوار وفي مقدمتها المغرب، وستبذل كل الجهود الممكنة لإعادة الكرة المرة تلو الأخرى. لكن يقظة الشعب المغربي كفيلة بإفشال كل تلك المحاولات ومن الواضح ان الشعب المغربي واع تمام الوعي بمرامي خصومه لذلك يهب دائماً للدفاع عن حقوقه وكرامته دون ان يتهاون في ضرورة ان يظل السد المنيع في وجه كل من يتربصون بمصالحه العليا. وهذا من صميم عبقرية الشعوب العريقة.