هناك علاقة جدلية حية، بين مطلب إصلاح المؤسسات وبين إصلاح الذهنية المدعوة للفعل داخل هذه المؤسسات. لأن بناء مؤسسات حديثة عديم الجدوى، ما لم يواكبه منطق حديث في مقاربة شؤون التنظيم والمجتمع، انطلاقا من القواعد التي رسمتها تلك المؤسسات، وفِي تفاعلها مع غيرها من مؤسسات المجتمع. ذلك ان الانتماء الحزبي اختيار فردي حر يقدم عليه المواطن الراشد في ظروف محددة من حياته، غير انه يصبح مسؤولية جماعية فور استكمال شروطه الأساسية الأولى. وكل مسؤولية تعني تأطيرا للفعل وتقييدا له، بما يخدم المؤسسة الحزبية ضمن تصورها لخدمة المجتمع الذي تشكلت أساسا لخدمة مصالحه العليا منظورا اليها من تصور محدد للتاريخ والواقع والمستقبل الذي تنشده لهذا المجتمع على مختلف المستويات.

وبما ان المؤسسة او المؤسسات الحزبية هي الإطار الجماعي الذي تتفاعل فيه إرادات وتصورات المواطنين المنتمين اليها بمختلف خلفياتهم الاجتماعية، فانها تعكس بالضرورة حلبة ذلك التفاعل الأولى، ضمن عملية متواصلة من الحوار الهاديء احيانا، والأقل هدوءا احيانا اخرى. كما انه قد يتحول الى صراع حاد للأفكار والتصورات السياسية، في بعض المراحل السياسية او التنظيمية المفصلية، بهدف تطوير عمل تلك المؤسسات وجعلها تواكب مختلف التطورات التي يعرفها المجتمع والتي تفعل فيها هي كذلك فعلها الايجابي او السلبي وفقا لطبيعة تفاعل المؤسسة الحزبية معها في ظرف سياسي او تنظيمي معين.

وبطبيعة الحال، فإن المؤسسة الحزبية تضع بصورة قبلية، واستنادا الى دروس تجاربها الخاصة وتجارب المؤسسات الحزبية المماثلة، في الداخل والخارج معا، ضوابط لذلك الحوار والتفاعل والصراع بين إرادات أعضائها بغاية تمكينهم من أقصى شروط الحرية للتعبير عن آرائهم في مختلف المشاريع الايديولوجية والسياسية التي تطرح على جدول الاعمال على مستوى الدعاية كما على مستوى الإنجاز على اعتبار ان خلاصات تجاربها، المباشرة وغير المباشرة، عامل أساسي مساعد في مجال اقتصاد الجهد والزمن والتركيز على القضايا ذات المردودية السياسية والتنظيمية الإيجابية على المستوى الحزبي والمجتمعي اي على مجمل الممارسة السياسية بمختلف ابعادها في البلد المعني.

قد يقال: ان الانتماء وإكراهاته الكثيرة والمؤسسات ومختلف القوالب التنظيمية تحد من المبادرة الحرة وابداع الأفراد، وقد يؤدي كل ذلك، في ظروف معينة، الى تضييق الخناق على حركة أعضاء تلك المؤسسات ووأد كل مبادرات الاصلاح والتغيير داخلها. الأمر الذي يعطي لكل ممارسة تهدف الى القطع مع تلك القيود والتحرر من اكراهاتها شرعيتها السياسية والأخلاقية والتنظيمية أيضا. وهذا صحيح من حيث المبدأ العام وخاصة في الحالة التي تستخدم فيها بعض الشكليات التنظيمية لمنع الحوار الداخلي والمشاركة في اتخاذ القرار او يتم داخلها منع التعبير عن الرأي المخالف والدفاع عنه وفق مقتضيات المنهجية الديمقراطية التنظيمية الداخلية التي ينبغي الاحتكام اليها في التعامل مع التبايانات في الرأي وحسم الخلافات بما يمكن المؤسسات الحزبية من الانتقال من مرحلة النقاش الى مرحلة اتخاذ القرار والعمل على إنجاز المهام المطروحة على جدول الأعمال.

وهذا يعني ان احترام الضوابط التنظيمية التي تشكل احدى القواسم المشتركة بين أعضاء المؤسسة الحزبية على اختلاف مواقعهم في اجهزتها التسييرية او تنظيماتها القاعدية او الموازية جزء لا يتجزأ من الانتماء الاختياري غير القابل للتجاهل، سواء عند الاتفاق او عند الاختلاف على القرارات التي يتم اتخاذها في مجال التوجيه او التدبير في مختلف مجالات الممارسة. اذ ليس خافيا على احد انه لا مجال لضمان التقدم خارج وضع إطار محدد لتلك الممارسة في اي مجال من المجالات. واذا تم اعتبار العمل الحزبي احد هذه المجالات وهو كذلك بامتياز، فليس ممكنا تحقيق مكتسبات ومراكمتها خارج الاطر الحزبية او المؤسسات الحزبية التي تؤول اليها مهمة تحديد التوجهات ومساءلة الممارسات الفردية والجماعية على حد سواء.

غير ان الواقع قد برهن في مختلف التجارب السياسية الحزبية ان بعض الممارسين يحاولون تجاوز تلك الاطر والمؤسسات، خاصة اذا اعتبروا انها لم تنصفهم او ان افكارهم متقدمة بما لا يقاس على الضوابط التي تفرضها المؤسسات وقوانينها الداخلية، معتقدين ان التمرد عليها هو السلوك الوحيد القادر على جعل المؤسسات تلتفت الى آرائهم او مواقفهم بعد القيام بكل المحاولات داخلها، وبالتالي، فانه لم يعد أمامهم غير التحرك خارجها. وهذا موضوع آخر تماما لأن التأسيس في هذه الحالة لنشأة تنظيم آخر بديل هو الذي يضع نفسه على جدول الاعمال.

وبطبيعة الحال، فان للمؤسسة الحزبية منطقها وروحها، لذلك فهي لا تقبل ما يتناقض مع هذا المنطق وما لا يتلاءم مع هذه الروح من الأساليب والممارسات سواء على مستوى بلورة تصورات للمارسة او على مستوى تدبير الاختلاف بين أعضائها او مؤسساتها التنظيمية. وان الارتباك والشلل والنكوص هو النتيجة الوحيدة المباشرة او غير المباشرة لعدم الالتزام بمقتضيات مباديء ومنطق وروح المؤسسة. وليس الأمر هنا مرتبطا بالضرورة بوجود نوايا غير صادقة او مخططات مناوئة من خارج المؤسسة الحزبية، اذ يكفي ان تتخذ ممارسة الاعضاء منحى متعارضا مع قوانين وأعراف العمل التنظيمي، بهذه الذريعة او تلك الحجة، حتى يتم مسلسل تدمير مكتسبات المؤسسة الحزبية التي يتحول المنطق المتحكم في ممارسة أعضائها الى سلسلة من ردود الفعل غير المنضبطة بقانون ولا عرف كما عاشت ذلك جل الاحزاب السياسية المغربية في فترات معينة من تاريخها وكان للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية النصيب الأوفر منها.

انه في سياق احترام منطق المؤسسات والالتزام بالمباديء الحزبية من قبل الاعضاء، منفردين وضمن هيئات مسؤولة معا، يمكن اعادة النقاش السياسي داخل الاتحاد الاشتراكي الى سكته الطبيعية، خاصة في هذه المرحلة المصيرية من تطوره السياسي والتنظيمي والتي لا تقبل العودة الى العبث الذي ساهم في ضياع فرص التغلب على صعوبات الممارسة الحزبية في اجواء مناوئة في كثير من الأحيان.

ان الحوار والنقاش السياسي داخل الاحزاب السياسية امر صحي، لأن الحزب الذي لا يعرف نقاشا هو حزب زائف ان لم يكن ميتا. فهو زائف لأنه ليس سيد نفسه ويربط كل اموره بهذه القوة او تلك التي تملي عليه كل شيء وهو في أحسن احواله واجهة لغيره. وهو ميت لأنه لا يمكن تصور كل الاعداد الهائلة من المنخرطين فيه على رأي واحد، في كل حين.

غير ان ازدواجية السلوك في التعامل مع مؤسسات الحزب السياسي حيث يتم التعايش داخل المؤسسات بل ويتم اتخاذ القرارات بالإجماع في مرحلة ما ثم محاولة قلب الطاولة من جديد من خارج المؤسسات بدعوى عدم الاتفاق مع هذا السلوك او ذاك ينم في أحسن احواله عن ارتباك في التكييف بين حرية التعبير والمبادرة وبين الالتزام الفردي والجماعي بمنطق المؤسسة وضرورات الممارسة.

وفِي كل الأحوال فانه لا يكفي ان تكون لدى الحزب مؤسسات حديثة بل ينبغي ان ينخرط الفاعلون الحزبيون على ثقافة ومنطق المؤسسة الحديثة لضمان التقدم لممارسته.