حينما يطوف الحاج أو المعتمر حول الكعبة المشرفة، ويرى من حواليْه عرباتٍ عليها طاعنون في السن، ومعطوبون، لا يملك إلا أن يعيد تقليب عقله وفهمه في قوله تعالى: "ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً"، ثم يتساءل: ما معنى الاستطاعة؟ هل هي الاستطاعة المالية؟ أو الجسدية؟ أو هما معاً؟

        ما فهمتُه من الآية أن الحج مشروط بالاستطاعة المالية والجسدية، وهما فيه متلازمان تلازم المضاف والمضاف إليه. ومن فقدهما أو فقد أحدهما فقد أعْفاه الله من الحج، ووضعَ عنه هذه الشعيرة. وما جعل اللهُ عليْنا في الدين من حرج.. فما لهؤلاء الضعفاء والمعطوبين يرفضون المنحة الإلهية ويصرون على الحج والعمرة؟! أيكونون أشدَّ فهماً وتقديراً وغيرةً على الدين منه سبحانه؟!

 "من استطاع إليه سبيلاً".. آيةٌ عظيمةٌ نحن الآن في أمسّ الحاجة إلى تحيين فهمها وتفعيلها، لأن الناسَ كثُروا، وصاروا أكثر عرضةً للأحداث التي يأباها الله للسليم والمعطوب. وقد وقعتْ أحداثٌ أُعْطِبَ فيها حجاجٌ جاؤوا إلى مكّة سالمين.

الله تعالى أمر عبده المؤمن أن يصليَ ما دام يملك عقلاً مميِّزاً، ولم يربط الصلاة بالاستطاعة التي جعلها شرطاً في الصوم والزكاة والحج. أمره أن يصلّيَ قائما أو قاعداً أو على جنبه، أو بالإشارة، وحتى بلا وضوء، فإذا فقدَ عقله المميّز فلا تجبُ عليه صلاة.. وأعفاهُ من الحجِّ إذا لم يكن يتمتع بقوةٍ تمكّنه من أداء المناسكِ دون استعانةٍ بأحدٍ، ولو كان له مائةُ عقلٍ. أما إذا أعطاه الله المالَ وابتلاه في صحته، فلْيصرفْ ماله في وجوه الخير، وما أكثرها! فالثوابُ هنا كالثوابِ هناك أو أكثر.. هذا ما فهمتُه من الآية. بل عليَّ أن أضيفَ هنا حتى الاستطاعة الأخلاقية إذ لا معنى لرجلٍ يطوف، ثم تسمعه يسبّ آخرَ أو يثور في وجهه، لا لشيءٍ إلا لأنه دفعه مكرهاً لا بَطَلاً، إذ لا رفثَ ولا فسوقَ ولا جدال في الحج.

لو قلتَ لمعطوبٍ قادرٍ مالياً: أنفقْ نصف تكاليف حجك أو عمرتك على الفقراءِ والمساكين، واجلس في بيتك تنل أجرَ الحاج بلْ أكثر، خاصةً في هذا الزمن البئيس الذي يموتُ فيه أُناسٌ ويصرُّ آخرون على الاعتمار كلّ عام. بئسَ ما فهمَ هؤلاء من دين الله الذي جعلَ حفظَ النفسِ في طليعة الضرورات الخمس.

لو قلتَ له ذلك، لكان أهون ردّ فعله أن يكشِر في وجهك، أو يتهمك في دينك، أو يعرض عنك صفحة وجهه.

ذكر ابن كثير في البداية والنهاية أن عبد الله بن المبارك رحمه الله كان في طريق الحج، فمات لهم طائر، فأمر غلمانه بإلقائه في مزبلة الطريق. ثم إنه رأى فتاة تأخذ الطائر الميت، سألها عن شأنها، فأخبرته أنها وأخاها أصبحا فقيريْن بعدما قُتِل أبوهما، وأُخِذ ماله، وأن الميتة تحل لهم. فسأل خادمه: كم معنا من المال؟ فقال: ألف دينار. فقال له: اتْرُكْ منها عشرين نرجع بها إلى بيوتنا، وأَعْط الباقي لهذه الفتاة، فهذا أفضل من حجنا لهذا العام ثم رجع.

عجب ربك من عبادٍ يرفضون رخصةَ ربهم وفضلَه عليهم. ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً، تعني أن حجّك لن يكون لله إلا إذا كان عن استطاعةٍ. هذا ما فهمتُه من الآية، فإن كان صواباً فهو من الله توفيقٌ وسدادٌ، وإن كان غير ذلك فاجتهادٌ لن أعدمَ أجره إن شاء الله.