ليس من الغريب على كل مواطن صالح غيور واع بما يجري هذه السنوات الأخيرة في وطننا العزيز، أن يقلق و يتوجس خيفة من الخطر المحدق بهذا البلد الأمين ، و أنا بدوري لا أخفيكم إخواني القراء ، إذا قلت أن جنبي بات لا يطمئن في مضجعه،و أصبحت لا أنعم بمتع الحياة ذلك التنعم الهنيء المريء، لا من خصاصة أو شظف ، فالكفاف عفاف، و إنما من ظاهرة أمست تؤرقني ليل نهار، و أنا أشم رائحة عاصفتها الهوجاء آتية لا محالة - خيب الله ظني في وصولها – تنذر بالبوار و الثبور الذي يأتي على الأخضر و اليابس ، فلا يبقي و لا يدر، فبعد سنوات من الملاحظة و الإطلاع كل يوم على الجرائد و المواقع الإلكترونية و نشرات الأخبار، لا أرى و لا أسمع إلا مظاهرة هنا و مسيرة هناك و اعتصاما هنالك ، من أجل مطالب هي في الحقيقة عادلة و منصفة و من حق طالبيها الحصول عليها، و مع اقتراب موعد الإنتخابات تخرج الأحزاب ما في جعبتها من وعود منمقة و أساليب ترغيبية و برامج تكاد تجمع كلها على محاربة الفساد و المفسدين ، و إعادة إصلاح هياكل الدولة ، و الإهتمام بقضايا الفئات الهشة ، وتشغيل الشباب ، و تحسين أوضاع المرأة و رفع الحيف عنها ، و غيرها كثير من الأماني و الآمال ، نلخصها كلها في كلمة واحدة هي احترام كرامة المواطن ، غير أن ما يغيب عن حسبان هؤلاء جميعا أن كرامة المواطن لابد لها من قاعدة أساسية تبنى عليها ، و هي أولى الأولويات و الأصل في بناء مجتمع متحضر متماسك ، إذ لا يستقيم أمر أي مطلب مشروع دون أمن و أمان ، و من غير اطمئنان و استقرار .
يا إخواني إن ما نراه و نسمعه ينبيء بفوضى عارمة و تسيب و شطط في استغلال حقوق الإنسان بفهمنا الخاطيء لها ، إذ لم تعط هذه الحقوق بجرعات مناسبة حسب ظروفنا و خصوصياتنا و أعرافنا ، بل قدمت كاملة في جرعة واحدة لم يستسغها جسمنا ، فاستغلها البعض دون وعي فحدث عكس ما أريد بها ، و انقلبت مفاهيمها سلبا مما نتج عنه ضرر في حق البعض الآخر، و بالتالي كيف سيسعد المواطن في حياته و يؤدي مهامه على أحسن وجه و هو غير آمن في سربه، مهدد في كل لحظة من أن يعترض سبيله ( مشرمل ) أو عصابة من الصعاليك بأسلحة بيضاء ( سيوف، سلاسل، هراوات ...) فيعتدون عليه ضربا و جرحا حتى الموت ، و في أحسن الأحوال قد يلحقون به أدى بليغا يصل أحيانا إلى عاهة مستديمة تلازمه طيلة حياته، طمعا في بعض نقوده أو هاتفه أو أي متاع يرونه مدرا للربح بالنسبة إليهم ، و ربما يقع كل هذا على مرآى و مسمع من المارة و لا أحد يحرك ساكنا خوفا من المصير نفسه الذي تعرض له الضحية ، ما ذنب طفل بريء في طريقه إلى المدرسة،أو طالبة في طريقها إلى الثانوية أو الجامعة، أو امرأة خرجت في طلب الرزق لأيتامها أو موظف مخلص في عمله محب لوطنه فيتعرض هذا للترهيب و التعنيف ، و تتعرض تلك للإغتصاب و التنكيل من قبل صعاليك ميؤوس من صلاحهم ، و لا يتدخل رجال الأمن إلا بعد فوات الأوان، و إن تدخلوا في أوانها فقد لا ينجون هم كذلك من هذه المجازر، فكم من رجل أمن مخلص تعرض للقتل على يد صعلوك مشرمل و كم من مياوم يكسب قوت عياله بعرق جبينه فيقتل ببرودة دم لأن عنده 100 درهم ، و الغريب في الأمر أن هذا المجرم القاتل يعتدي على أناس بسطاء ممن قهرهم السعي في توفير أدنى متطلبات الحياة من موظفين ذوي الدخل المحدود أو أجراء أو مياومون أو غلبة من أطفال و بنات و عجزة أما الناس الميسورين فهؤلاء قلما يصادفهم في طريقه إذ أن لهم وسائل النقل الخاصة بهم و لأبنائهم و زوجاتهم و لا يتسوقون إلا في الأسواق الممتازة و قد يكونون مصحوبين بحراس خاصين ، و مع كل هذا و ذاك و بالرغم من العمد و التعمد و سبق الإصرار و الترصد يودع المجرم في سجن من خمسة نجوم حيث التغذية الكاملة الكافية و الأفرشة و الأغطية الناعمة والملاعب الرياضية و الحمام الساخن و التلفاز وووو... فيجد نعيما لم يكن يحلم به يوما ، لأن حقوق الإنسان أعطت هذه الإمتيازات للسجناء القتلة المغتصبين ، ترى لماذا لم تعط نفس هذه المتيازات و هذه الحقوق لأرملة القتيل و أبنائها الذين يتضورون جوعا و يتسولون في الشوارع، عجبا لهذه المفارقة بل المقاربة الغريبة التي يستعصى فهمها على كل ذي عقل لبيب ، فمن أحق بالرعاية و الإهتمام القاتل أو الأطفال اليتامى ؟ و هذا سبب رئيس و دافع أساس يجعل من هؤلاء اليتامى المهملين مشروع مجرمين مستقبلا .
لهذا أظن حسب رأيي المتواضع أننا نحدث ثقبا في سفينتنا عندما يقتل و يعوق الصالحون في وطننا ، و يكرم و ينعم المجرمون القتلة ، و إن امتدت بنا الأيام على هذا النحو و لم نجد لنا حلا فقد نصل إلى ما يسميه العامة قديما ( السيبا ) ويفلت زمام الأمور من بين أيدي المسؤولين ، حينها نقرأ الفاتحة ترحما على استقرارنا، وقد يقول قائل لو وجد هذا المجرم عملا لما التجأ إلى الإجرام، سأجيبك بكل صدق و من خلال تجارب عاينها بعض الأصدقاء فهؤلاء المجرمون اعتادوا الإسراف في الإنفاق على أنفسهم،فلا تكفيهم أجرة العمل التي تتراوح بين 100 و 150 درهما في اليوم،هذا ناهيك عن مشقة العمل التي لا يستطيعون تحملها كباقي المياومين، هم ألفوا و تعودوا على إسراف نقود كثيرة وبطرق سهلة للغاية من غير تعب أو مشقة، و هذا ما يجعلهم يفضلون اعتراض سبيل المارة .
فما السبيل للحد من هذا الإجرام الذي تفاقم مؤخرا حتى وصل آذاه الطريق السيار؟ لا أرى حلا أنسب إلا بإصلاح شمولي لجميع القطاعات و على رأسها قطاع التعليم في مناهجه و برامجه لتتوافق و متطلبات العصر و ما يطلبه سوق الشغل ، و الإلتزام بالإنضباط و الإحترام ، و إعادة الهيبة للمؤسسات و لرجال التعليم، وإعادة النظر في الخريطة المدرسية فلا نجاح إلا بالكفاءة و الإستحقاق ...ثم علينا بقطاع الإعلام لنجعله قطاعا هادفا يخدم المواطنين في جميع مناحي حياتهم و مكملا لدور المؤسسات التعليمية ، و كذا النظر في حقل الصحة الذي يشكو الجميع قصوره و اهماله ، وتوفير فرص الشغل للعاطلين ، و الأخذ بيد الفقراء و المساكين ، و خصوصا ذوي الإعاقة الذهنية الذين يملأون الشوارع فهذه الفئة لا أحد ينظر إليها بعين الرحمة في حين أن مكانها الأنسب هو مارستانات خاصة بها تتلقى بها الرعاية الكاملة و الإستشفاء ، و باختصار شديد النهوض بجميع القطاعات و تغيير العقلية السائدة المبنية على المصالح الشخصية و مراعاة مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. فإذا استطعنا فعل ذلك و هو ليس بعزيز على همم المغاربة فإننا و لا شك سنحد من هذا الإجرام المتفاقم ، و إذا كان هناك من سولت له نفسه المساس بعرض الآخرين أوأرواحهم أو أموالهم ،فينبغي آنذاك أن يتعرض المعتدي لأشد أنواع التعذيب و التنكيل قد تصل في بعض النوازل إلى الإعدام و لا تأخذنا به رأفة .
إخواني المغاربة ، لقد أصبح المواطن في ظل هذا الخوف و عدم الإطمئنان على النفس و العرض و المال، يفضل الأمن و الإستقرار أكثر من أي مطلب آخر و كثير ممن حاورتهم يفضلون أن يعيشوا عيشة بسيطة في مأكلهم و ملبسهم و مسكنهم مقابل أن ينعموا بالأمن و الأمان، إذ لا راحة و لا سعادة في عيش و لو كان رغيدا دون أمن، فلا شيء أغلى من الحرية، حرية التنقل و التجول و الذهاب إلى العمل و العودة منه في اطمئنان دون خوف أو رعب أو تهديد، و تسود المحبة و الأخوة بين الناس كما أمرنا ديننا الحنيف ، و من أجل هذا المطلب الغالي الثمين ينبغي أن ندافع بالمظاهرات و الوقفات الإحتجاجية و غيرها من الأساليب الحضارية السلمية دون المس بالتوابث و المقدسات ، لا كما نرى في هذه الأيام حيث أصبحت بعض المسيرات تخرج عن النطاق الذي نظمت من أجله، فيتخذها بعض ضعاف العقول مطية لتمرير أفكار سامة نحن في غنى عنها، نعم نحن مع كرامة الإنسان و حقوقه و نحن ضد كل أنواع الظلم و الإستبداد و نطالب بالضرب بيد من حديد على كل من سولت له نفسه أن يحقر مغربيا أو يبتزه في حق من حقوقه ، و لكن بدون إثارة النعرات التي تفتك بوحدتنا الوطنية و تثير الفتن بيننا و نحن عصبة واحدة تعايشنا منذ الأزل و لا زلنا على التفاهم رغم تنوع ثقافاتنا و لغاتنا و أجناسنا و أعرافنا و تقاليدنا و هذه عناصر قوة و اتحاد لا تزيدنا إلا تماسكا و انسجاما و تفهما و لا نقبل بوجه من الوجوه أن يملي علينا أحد من الخارج رأيه ، فنحن أدرى بمصلحتنا من غيرنا ، و لو كان رأيه صائبا لظهر أثره في بلده قبل غيره .
ختاما أدعو كل غيور على هذا الوطن، و أناشد المسؤولين و الأحزاب و فعاليات المجتمع المدني أن تجعل الحد من ظاهرة الإجرام أولى أولوياتها ، وتتصدى لها بكل الوسائل المتاحة و الممكنة و توفر ما يمكن توفيره من الحلول المناسبة التي ترد بشبابنا ( المشرمل) إلى السكة الصحيحة ، ليعيش الكل في أمن و أمان ، فإن توصلنا للحد منها - إن لم نقل القضاء عليها – فما دونها أهون ، و إن لم نفعل فلنترقب عواقب وخيمة لا تحمد نتائجها إن آجلا أو عاجلا ، و ما أظنه إلا عاجلا إن استمر الوضع على ما هو عليه ..........