ان الاشكالية التي تواجه الباحث السوسيولوجي؛ الذي يتوخى تحليل الحركية الاجتماعية في كل تجلياتها الثقافية والسياسية؛ هي تحديد المفاهيم لان الفاعلين الاجتماعيين يستعملون مصطلحات دون الانشغال بأبعادها الدلالية؛ وهذا ما يكون له انعكاس على طبيعة الفعل الاجتماعي؛  الشئ الذي يجعل الفاعلين يسقطون في تناقضات من حيث المواقف  والرؤى؛ وبالتالي يكون هناك تباين في فهم وتوجيه هذه الحركية من حيث وضوح الاهداف وتحديد الاستراتيجيات والتكتيكات الملائمة لكل مرحلة؛بل نجد ان هناك غياب شبه تام لهذه الرؤية الواضحة؛ وهذا ما يجعل الفاعلين الاجتماعيين في هذا الحراك يعتمدون على ردود الافعال وعلى السلوك العفوي الشعاراتي احيانا وتمجيد الذات احيانا اخرى. 

فما هو اذن الفرق بين مصطلحي الحراك والحركة؟ 

لتحديد الفرق بينهما لابد لنا من استحضار حركة 20فبراير والتي كانت ترفع شعارات سياسية؛ حيث ركزت على مفهوم الملكية البرلمانية ومحاربة الاستبداد والفساد السياسي والاقتصادي، كما انه كان للحركة قيادة او زعامة تتجلى في مجموعة من الشباب وخلفها قوى سياسية يسارية واسلامية اساسا، ولهذا نتج عنها اصلاح دستوري وتوسيع الانفتاح السياسي ليشمل تمثيلية الشباب في المؤسسات المنتخبة، رغم الملاحظات التي يمكن الادلاء بها حول طبيعة هذه الحركة وحول عجزها النظري وسقوطها في الحلقية؛ وبالتالي لم تستطع استبدال تخندق الاحزاب المسماة رسمية والمشاركة في اللعبة السياسية بكل سلبياتها وايجابياتها؛ الى بلورة حركية سياسية جديدة تعبر عن الحركية الاجتماعية آنذاك لان كل ما فعلته هو استبدال ما كانت تنعته بكتلة الاحزاب المنبطحة او احزاب النظام بكتلة التنظيمات اليسارية والاسلامية والتي كانت لها شعارات واهداف متباينة بل اصيبت بالغرور من حيث تقدير قوتها التنظيمية ولم تستطع بالتالي اختراق النسيج الاجتماعي؛ لان هذه الحركة اقتصرت على مجرد التواجد في التظاهرات ومحاولة انتزاع زعامتها وهوما فشلت فيه فشلا كليا. 

اما الحراك الحالي فسمى بالحراك لكونه يفتقر الى قوة تنظيمية لها رؤية واضحة للازمة الاجتماعية بالمغرب لان هذا الحراك هو مجرد رد فعل على ما اعتبر حيفا ثم لانه ارتبط بفكرة جهوية او قبلية ولان التنظيمات اليسارية والاسلامية لم تتبن الحراك الا مؤخرا وحاولت الركوب عليه الا انها وقفت هي نفسها عند حدود شعارات الحراك الاجتماعية وذات الطابع الجهوي؛ وكل ما فعلته هذه التنظيمات هو انها حاولت تعويم هذه المطالب بإضفاء الطابع الوطني عليها. 

اذن هذا الحراك في نظرنا هو مجرد رد فعل ؛ فاعلوه الاجتماعيون متعددون؛ منهم من يسعى الى تحسين اوضاع معيشية لا اقل ولا اكثر؛ وهو ما كان الماركسيون سابقا يصنفونه في اطار النضال الخبزي، بمعنى ادنى درجات الوعي السياسي؛ وهناك فاعلون داخل الحراك هم متوارون لهم فعلا مطالب سياسية تسعى الى اعادة النظر في بنية النظام السياسي؛ الا ان هذه الفئة لازال دورها لحد الساعة محتشما؛ إما لانها لم تستطع اختراق الحراك او نتيجة للحذر المبالغ فيه او لان الحراك ليس له استعداد لقبول مثل هذا الطرح. 

هذا التمييز يدفعنا الى التساؤل حول استقلالية الحراك الاجتماع ؛لان الانطلاق من حيث القوة والشدة كان ولايزال من الحسيمة؛ وانتشر الى مناطق اخرى والتي حاولت تقليد الريف من حيث المطالب والشعارات بالإضافة الى حركات التضامن والتي اغلب الفاعلين فيها هم تيارات اليسار الجذري والقوى الاسلامية مع مختلف تنظيماتها الموازية من شباب وجمعيات المجتمع المدني. 

وغم ان الفاعلين الرئيسيين في الحراك لاينتمون لأي تنظيم سياسي لانهم رفضوا النظام السياسي القائم باعتباره في نظرهم نظاما فاسدا ومزورا؛ حديثهم عن الدكاكين السياسية، ورغم محاولات التنظيمات السياسية الممثلة في المؤسسات تبني بصورة او باخرى؛ مطالب الحراك وشعاراته لاهداف وحسابات سياسية مغايرة؛ فإن كل التنظيمات مهما اختلفت طبيعتها يمينية كانت او يسارية بل وحتى تنظيمات المجتمع المدني؛ لم تستطع ان تجد لنفسها موطأ قدم في هذا الحراك. 

فهو فعلا حراك مستقل بذاته؛ إلا أن كون الفاعلين فيه متعددين يجعل من الصعب على الفاعل السياسي ان يفرض نفسه كمحاور لحلحلة الازمة وايجاد مخرج قبل ان تتطور الأمور الى مطالب وشعارات راديكالية، لان الحوار بين الفاعلين يفترض ان لكل طرف منهم عرضا يقدمه للآخر ؛ وان كل طرف مخول الاخذ والرد؛ وهذا ما هو غير حاصل حتى الان. 

هذه الوضعية المأزومة هي التي دفعتنا الى التساؤل حول الرهانات سواء بالنسبة للدولة او للحراك نفسه وايضا بالنسبة للذين حاولوا ولو متأخرين استغلال الوضعية وتوجيهها حسب رؤيتهم للصراع الاجتماعي والسياسي في المغرب. 

تراهن الدولة على عامل الزمن وعلى امكانية فتور قوة الحركة في الريف؛ لذلك زاوجت بين القمع الميداني والمحاكمات حسب صك الاتهام وفق منظورها لما هو قانون ولما هو حق؛ كما انها تدرك جيدا ان الاستجابة لمطالب الحراك والجلوس مع الفاعلين في هذا الحراك ستكون له عواقب على بنية النظام السياسي لان سقف المطالب الاجتماعية هو تقريبا عام في كل مناطق المغرب؛ وبالتالي فان الفاعلين والمحاورين لن يعودوا هم من تم انتخابهم بل هناك شرعية اخرى افرزتها حركية المجتمع في الميدان ؛ومن ثم التشكيك في المؤسسات وبالتالي اعادة النظر في النظام السياسي برمته، وهذا ما تحاول الدولة الالتفاف عليه؛ ومن ثم التركيز على كون المطالب ذات طابع اجتماعي ومعقولة وان الدولة تحاول تجاوز تعثرات انجاز برامجها، ورغم انها جندت الاحزاب السياسية لهذه الخطة؛ فانها وضعت نفسها في مأزق لان المعروف عن النظام السياسي المغربي انه نظام وعود ورقية بل حتى دساتيره لم تتعد حدود النوايا والجوانب الشكلية لان ممارسة السلطة لازالت على حالها منذ القديم والى الان. 

اذا كان هذا هو رهان الدولة فما هي رهانات الحراك؟ 

في نظرنا ليس له أي رهان ولا أي استراتيجية؛ سقف مطالبه هو برامج الدولة وضرورة انجازها لا اقل ولا اكثر؛ لم يستطع هذا الحراك ادراك البعد السياسي والخلفية المجتمعية والثقافية لهذه المطالب؛  والدليل على ذلك ان الفاعلين في الحراك الآن والمتضامنين معهم رفعوا كلهم شعار اطلاق سراح المعتقلين؛ اذن يمكن للدولة ان تستجيب وانذاك تبادر لحوار مع فاعلي الحراك وانتظار ما ستؤول اليه الامور. 

ما موقع المثقف مما يجري في المجتمع؟ 

في نظرنا فان الباحث والمثقف ينأى بنفسه عن السلوكات الشعاراتية وعن الشعارات التي تمجد القبلية والجهوية لانه ينحاز لما هو كوني وانساني ؛ ولأنه يقوم بتحليل الواقع والحركية الاجتماعية ويحاول ان يحدد العوامل المتحكمة فيها وان يرصد هذه الحركية ويتناول بالدراسة الفاعلين فيها والقوى المحركة لها ورصد الاستراتيجيات الاجتماعية لمختلف الفاعلين؛ وان يحلل ايضا طبيعة الشعارات والمطالب وعلاقتها بطبيعة القوى المحركة ونوعية التنظيم الذي يخضع له الحراك شكلا ومضمونا ... 

ما اثار انتباهنا في حراك الريف مثلا حاصة في الحسيمة هو سيادة اللغة العربية سواء في شعاراتهم او في استجواباتهم او في تدويناتهم في الوسائط الاجتماعية ...هذا السلوك يدحض كل محاولة للنيل من حراكهم بإعطائه بعدا اخر غير ما يرفعونه من شعارات ومطالب؛ كما ان الملفت للنظر هو المشاركة القوية للشباب والنساء؛ مع ملاحظة ان اغلبهن كن محجبات . هل نقرا في ذلك نزعة محافظة ذات طابع ديني ام نرد النزعة المحافظة الى خصوصية التكوين الاجتماعي الريفي ام الى كون الحسيمة متأثرة من حيث الارث الثقافي الديني والقيمي بتطوان ؟ حيث لاحظنا الحضور القوي للدين والتدين في مناطق الشمال من طنجة الى الحسيمة سواء من حيث اللباس او المواقف...