أبرزت تجربة ما سمي بالربيع العربي خلال السنوات الست الماضية عددا من العناصر الموضوعية والذاتية ليس ممكنا الاستغناء عنها عند مقاربة الأوضاع العامة في منطقة الشرق الأوسط وخاصة في البلدان التي عرفت تطورات سياسية واقتصادية ودستورية في سياق ذلك الربيع، ايجابا او سلبا. ويمكن هنا الحديث عن العناصر الاساسية التالية:

اولا، مدى هشاشة الأوضاع العامة لأنظمة المنطقة على مستوى تدبير الشأن العام وعلى مستوى التماسك الاجتماعي للقوى المساندة لها، على حد سواء، بما فيها تلك التي كانت تبدو قوية او ناجحة الى حد ما في توفير بعض شروط الأمن والاستقرار لشعوبها.

ثانيا، استعداد عدد من القوى الاجتماعية والسياسية غير المشاركة في الحكم والتي تتحرك على ارضية معارضة، معلنة او تحت الأرض، للاستقواء بالأجنبي، بما في ذلك الذي كان يعتبر، الى الامس القريب، العدو اللدود للشعوب ومختلف اشكال حراكها السياسي والاجتماعي والتي تتهم الأنظمة القائمة بأنها تمحضها الولاء الى درجة العمالة بالنسبة لبعضها.

ثالثا، ولعل مناشدات الدول العظمى وخاصة منها الولايات المتحدة الامريكية والقوى الغربية الاخرى المندرجة عموما في المنظومة الفكرية والسياسية والاستراتيجية الغربية التي كانت تعتبر قوى استعمارية، بشكل مباشر او غير مباشر خلال العقود الأربعة الأخيرة، يكشف مدى القطيعة بين شرائح هامة من المجتمعات العربية وبين السلطة السياسية بمختلف اشكالها في بلدان الربيع العربي. وهي قطيعة لم يكن ممكنا ان تخطر على خيال اي كان قبل الإطاحة بالنظام العراقي الذي شرع نوعا من تعاطي القوى السياسية الداخلية مع الدول العظمى جديد تمام الجدة على الشعوب العربية.

رابعا، تنامي خطاب سياسي على تناقض جذري مع الخطاب السائد في تلك المجتمعات حيث غابت القضايا الاستراتيجية الكبرى التي كانت تستقطب الجموع كالقضايا العربية الاستراتيجية المرتبطة بالصراع العربي الاسرائيلي لفائدة خطاب يعلي من راية بعض الشعارات المرتبطة بالكرامة وحقوق الانسان والتوزيع العادل لثروات البلاد وهي شعارات لا غبار على سدادها من حيث المبدأ لو تم النظر اليها في سياق نزاعات اجتماعية اقتصادية داخلية لتلك المجتمعات الا انها كانت على ارتباط وثيق بأجندات إقليمية ودولية ابعد ما تكون عن تلك الشعارات على اعتبار ان الدول التي استندت اليها في تحديد مواقفها مما سمي الربيع العربي لم تكن ذات يوم، وليست اليوم، ضمن الدول التي تنتصر لتلك الشعارات.

خامسا، بروز وتنامي خطاب طائفي ومذهبي وهيمنته على البرامج الدعائية لعدد من القوى المتصارعة وخاصة في بلدان الشرق العربي كما هو حال كل من اليمن وسورية وذلك بهدف الابتعاد عن الخطاب السياسي الاجتماعي الطبقي التقليدي الذي لم يعد قادرا على تعبئة الجماهير كما كان عليه الامر خلال عقود خلت. وقد ترافق هذا الخطاب الطائفي مع تنامي توجهات انفصالية لم تعد تؤمن بالخطاب الوطني والقومي التقليدي مما عقد الأوضاع في البلدان التي عاشت هذه الظاهرة.

ان هذه العناصر مجتمعة قد أعطت الدليل الملموس على ان تحولات جذرية قد حصلت في مجتمعاتنا وخاصة في علاقتها مع الانظمة الحاكمة من جهة، وتصورها للاجنبي من جهة اخرى، حيث ان الانتماء الوطني الذي كان يلعب دورا محوريا في تحديد تصور القوى تجاه بعضها البعض وتجاه السلطة السياسية في مختلف تلك البلدان قد تلاشى دوره الى درجة ان استدعاء التدخل العسكري الأجنبي لتغيير الانظمة السياسية لا يشكل عقدة حقيقية بالنسبة لممثلي تلك الشرائح.

صحيح ان معظم تلك القوى حاولت خلال فترات طويلة نسبيا التأثيرعلى مجرى الأحداث، على المستوى الداخلي، في أفق بناء أنظمة سياسية ديمقراطية تحقق حدا ادنى من المشاركة السياسية وتضمن الحريات الأساسية للمواطنين على مستوى حرية التعبير وتشكيل الجمعيات المدنية الحقوقية والأحزاب السياسية وسن قوانين انتخابية تسهم في تطوير الحياة التمثيلية في البلدان التي تعرف مؤسسات تمثيلية على المستويين المحلي والوطني، غير ان محاولاتها لم تؤد الى نتائج مرضية، ان لم تكن منعدمة تماماً كما هو الشأن في عدد من البلدان ذات الانظمة التقليدية المغلقة، غير ان هذا الواقع لم يكن يسمح في الفترات السابقة بتجاوز عدد من الخيوط الحمراء في طبيعة علاقات تلك القوى بالقوى الأجنبية واجنداتها غير المتوافقة بالضرورة مع اجندات بلدانها.

لكن هذا التحفظ تراجع بشكل جذري عندما انطلق ما سمي بالربيع العربي. ولعل السبب الرئيسي في تحقيق هذا التحول يعود الى تغيير جذري، هو كذلك، في مواقف بعض القوى الاقليمية والدولية من التشكيلات الاجتماعية السياسية السائدة في تلك البلدان، والتي تبين لها انها لم تعد قادرة على الصمود، فقررت دعم كل حركات الاحتجاج التي تصب في مصلحتها وذلك بان ترى التغيير، في تلك البلدان، يتخذ لنفسه منحى متساوقا مع مصالحها الاستراتيجية في المنطقة والتي لم تعد تركيبات الحكم القديمة قادرة على تأمينها.

ولعل دخول هذا العنصر الخارجي على الخط هو الذي دفع بعدد من المراقبين والقوى المعنية بتطورات الواقع، في بلدان الشرق الأوسط، الى الحديث، منذ الأيام الاولى، لانطلاق الحراك السياسي العربي عن مؤامرة غربية أمريكية وأوروبية تستهدف اعادة تشكيل المنطقة في سياق اعادة رسم خارطة الشرق الأوسط الجديد ولو جاء ذلك عبر الانتصار لأطروحة الفوضى الخلاقة التي سبق لمستشارة الامن القومي الامريكية غونداليزا رايس ان اطلقتها منذ عام 2005.

وقد جاءت الطريقة التي تم بها إسقاط نظام معمر القذافي في ليبيا لتعطي الدليل القاطع بالنسبة للكثيرين على ان الدول الغربية قد وضعت اجندة خاصة لتغيير الوجه الجغرافي السياسي لمنطقة الشرق الأوسط وان محطة ليبيا وأزمتي سوريا واليمن ليست الا جزءا من تلك الاجندة التي انطلقت باحتلال العراق عام 2003.

ويبدو ان العنصر الاخطر في هذا المسلسل التغييري المدعوم من الخارج الغربي هو قدرته على دفع القوى السياسية الليبرالية والتقليدية وعدد من القوى اليسارية الى التطبيع مع الأجنبي بدعوى انجاز التغيير الداخلي المستحيل خارج الاستقواء بالأجنبي. ذلك ان النظر الى التدخل الأجنبي باعتباره تحريرا او اسلوبا تحريريا للاوضاع هو بالذات نقطة الضعف القاتلة في هذا الربيع الذي ليس ربيعا عربيا بالتأكيد.