عام آخر ينتهي على الجزائر وهي، ككل دول المنطقة، لا تعرف أين تقف وإلى أين تتجه. وليس في الأفق ما يؤشر إلى اتضاح الرؤية قريبا.
لنترك جانبا الغموض الاقتصادي الناجم عن تراجع أسعار النفط وغياب الرؤية الحكيمة، وما يثيره كل ذلك من مخاوف وارتباك، ناهيك عن تحوّله إلى عائق يمنع التخطيط الجيد (بدل ان يكون محفزاً لذلك).
يمكن بسهولة اعتبار 2016 سنة أخرى من الفشل والضياع، تضاف إلى رصيد السنين الطويلة الضائعة والفرص المهدورة. 
ويمكن بسهولة اعتبارها سنة التردد الحكومي والارتباك الذي تجلى في القرار (السياسي والاقتصادي) ونقيضه، في اتخاذ القرار ثم التراجع عنه. تجلى ذلك في موضوع استيراد السيارات القديمة، وقرار وزيرة التعليم بتقليص مدة العطل المدرسية، وكذلك في موضوع رفع السن القانونية للتقاعد.. وغيرها من القرارات التي اتخذتها الحكومة وتراجعت عنها بعد أن يتضح أنها تُغضِب جهة ما أو تمس مصالح طرف بعينه).
ويمكن بسهولة أيضا اعتبار 2016 سنة فضائح جديدة تضاف إلى سلسلة الفضائح الكثيرة المدوّنة في سجل الجزائر حكومة وشعبا.
إذا ما حاولنا وضع جرد حساب للسنة المنتهية، سنذكر أنها انتهت بفضائح الدجل والدروشة الممزوجة بالمال الخفي. كانت العناوين هنا «طبيبا» ادّعى أنه اخترع علاجا للسكري اتضح بسرعة أنه لا دكتور طب ولا مخترع، وكذلك دجال اسمه «بلحمر» ادّعى أنه يعالج الكثير من الأمراض البدنية والروحية، حتى افتتح عيادة تعجز الدولة عن توفيرها. 
وكانت الخاتمة مصيبة أخرى عنوانها المدوِّن والصحافي محمد تمالت الذي توفي في السجن.
كل هذا في الشهرين الأخيرين من السنة، أو أقل منهما حتى.
في كل الدول هناك فضائح وإخفاقات من كل نوع. لكن الفرق الذي تصنعه الجزائر يتمثل في ذلك التخدير الذي أصابها حتى أصبحت لا تستجيب للألم الذي تسببه الفضائح المتتالية (أو من المفروض أن تسببه).
تحضرني في هذا السياق مقولة صديق غير جزائري متعود على زيارة الجزائر، وعندما عاد سألته عقب إحدى الزيارات كيف وجدها، قال: بلد يعيش تحت التخدير.. لا يستجيب للوخز أيًّا كانت شدة الألم. 
توفيّ الصحافي محمد تمالت وهو سجين، متأثراً بما لحق به من ضرر جسدي ونفسي، ومرّت وفاته كأنها لم تحدث. شيء يصعب استيعابه وقبوله، لكنه حدث.
انتهى كل شيء مع تشييع الرجل إلى مثواه الأخير في الأسبوع الثاني من هذا الشهر: لا تحقيق، لا مساءلة، لا محاسبة، لا إقالة، لا استقالة، لا اعتراف بالمسؤولية، لا إقرار بالذنب.. ولا أي شيء على الإطلاق، في تعبير صارخ عن تدني قيمة الإنسان في الجزائر وسيادة الإفلات من المحاسبة. 
هذا من جانب الدولة، أما من جانب المجتمع فلا يختلف الواقع المؤلم مجسَّداً في الاستسلام التام والقبول بذلك الواقع الأعوج الذي تفرضه السلطة.
من جهة المجتمع أيضا انتهى كل شيء بوضع تمالت في قبره. لا برلمان سأل أو تساءل، لا أحزاب طلبت حسابا، لا جمعيات أهلية أوجعها ما حدث، لا نقابات استغربت، لا صحافيين، لا مدونين، لا حقوقيين.. لا أحد تجرأ على رفع صوته للمطالبة بالحقيقة في وفاة مواطن جزائري أولاً وصحافي ثانيا، في تلك الظروف المأساوية والمشينة.
المطالبة بالحقيقة في هذه الحالة ليست من أجل تمالت، فهو انتهى إلى ربه. بل من أجل الأحياء حتى لا يتعرضوا إلى ما تعرض له، ولا يلقون المصير البائس نفسه. فسجون الجزائر يقبع بها العشرات من معتقلي الرأي والذين أُوقفوا لأنهم لم يكتفوا بحرية التعبير كما ترسمها وتفرضها السلطة، ولا شيء يضمن أنهم بعيدون عن مصيره. التخلي عن تمالت هو خيانة لهؤلاء وتفريط فيهم.
أما قصة «مخترع» علاج السكري، ففضيحة لا تختلف في عمقها وخطورتها. هذا الرجل نجح في جرّ أطياف واسعة من المجتمع الجزائري نحو أوهامه ودجله. الخطير في الأمر، علاوة على كذب الرجل وانتحاله صفات علمية ووظيفية لا يمتلكها، انكشاف سهولة انجرار المجتمع وقابليته لشراء الأوهام التي تُعرض عليه.
المجتمع الجزائري اختار بسهولة، بلا تفكير وحتى بعد انكشاف الحقيقة المُرة، صف «العالم» توفيق زعبيط، في مواجة مَن شككوا في «اختراعه» أو تساءلوا بشأنه مثل الأطباء ونقاباتهم والصيادلة وتنظيماتهم.
كان من المفروض أن تؤدي فضيحة هذا «المخترع» إلى سقوط الحكومة، فالرجل، في نهاية المطاف «اخترع» وأنتج وسوّق «علاجا للسكري» في غفلة من هذه الحكومة. لكن لا شيء حدث. 
كان من المفروض أن تقود الفضيحة إلى مساءلة وزير الصحة، لكن لا شيء من هذا حدث. كان الأحرى بوزير الصحة ذاته أن يتنحى حفاظا على ما تبقى من صورة الدولة وثقافتها، لكنه لم يفعل ولا أحد تكلم.
ماذا يجب أن يحدث أسوأ من هذا وأخطر ليُساءل وزير، أو يستقيل؟
ما هي درجة الألم المطلوبة لكي تتألم الجزائر وتخرج من حالة التخدير الي أصابتها؟
لهذا ليس أمامنا غير الصلاة ثم الصلاة.

٭ كاتب صحافي جزائري