بالرجوع الى القران الكريم نجد أنه ذكر عدة أنواع من الانكحة، جلها كان معروفا و معمول به بتلك المجتمعات  آنذاك ، كالنكاح  العادي (الزواج)  و نكاح الايامى وما ملكت الايمان  ( نكاح المملوكات ).فالقران لم يشرع تلك الانكحة فكلها كانت معمول به بتلك المجتمعات،  فقط  تدخل  لعلاج بعضها  كنكاح أمهات الايتام و التعدد بهن ونكاح ما ملكت الايمان من الفتيات المؤمنات  (فانكحوهن بإذن اهلهن) لكن المجتمع لم ينصاع لهذا و تجاهله و ظل على سيرته الاولى( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) البقرة 170.

                                                             _________________                    

لم يرد أي تعريف محدد بالقران الكريم  لمعنى الزنى، هل هو نوع من أنكحة  كان  معمول به آنذاك؟ وكيف كان يتم حتى تم تحريمه وألقي به خارج دائرة الانكحة  الاخرى المذكورة بالقران؟ أم هو العلاقة الجنسية بين رجل وامرأة لا تربطهما أي رابطة  بالانكحة المذكورة؟ أم ماذا..؟

 فتعريفه جاء: (( ولا تقربوا الزنا انه كان فاحشة و ساء سبيلا)) الاسراء 32.

 التعريف به ببعض أمهات كتب اللغة و الفقه  المشهورة جاء مبهما :

-فقد ورد بمعجم مقاييس اللغة لابن فارس الجزء الثالث: ( زني) الزاء و النون و الحرف المعتل لا تتضايف، و يقاس فيها على اخرى. فالأول الزنى ،معروف  ويقال انه يمد و يقصر.. ويقال  في النسبة الى زنى زنوي وهو لزنية وزنية و الفتح افصح. الكلمة الاخرى مهموز يقال زنأت في الجبل ازنا زنؤا و زنأ. و الثالثة الزناء و هو القصير من كل شيء.

-و يعرفه ابن رشد الحفيد في كتابه بداية المجتهد و نهاية المقتصد: ((بانه كل وطئ وقع على نكاح غير صحيح و لا شبهة نكاح ولا ملك يمين)).

 - و جاء بكتاب مفردات ألفاظ القران للراغب الاصفهاني: (( الزنى : وطء المرأة من غير عقد شرعي)) .

فالمجتمعات قبل الاسلام وخاصة العربية منها، لم تطلق كلمة الزنا على  بعض أنكحتها  التي كانت شائعة آنذاك، كالاستبضاع و الشغار وغيرهما ، لذلك نجد  أن بعض فتياتهم كن يضربن خياما يمارسن بها الجنس و يعرفنها برايات او اعلام أو بالسعال ( الكحبة)  ، و لم يطلق عليهن   الزانيات أو العاهرات ( نرى مثل هذه الحالة حاليا بأروبا بشكل منظم يتعاطى كمهنة) ( فالمجتمع  الأوروبي هو الذي أقر هذه الحالة و قبل بها ).

و عليه  فأن كلمة ( الزنا)  مصطلح قراني أطلق على كل نكاح خارج الانكحة المذكورة بالقران  المعترف بها بالمجتمع آنذاك .وجاء عقابها الجلد علنية، وهو الوسيلة الزجرية والانسب آنذاك  لذلك الزمن ، في انتظار مؤسسة تنظم الانكحة يؤسسها المجتمع عند نضوجه بعد ذلك.

لدى نفهم من هذا  أن كل علاقة جنسية علنية بين رجل وامرأة مقبولة بالمجتمع، فهي نكاح معترف به. و أن كل نكاح غير علني و مرفوض لدى المجتمع، فهو زنى،و  يطلق على كل نكاح  غير علني وغير مقبول أو  معترف به  لدى أي مجتمع.  

فمثلا زواج المتعة:  مجتمع يرفضه ( السنة) فهو زنا عندهم. و مجتمع يقبله ( الشيعة) فهو  نكاح عادي عندهم. و كلاهما على صواب، كما هو الحال في مجتمعنا في نكاح الفاتحة الذي يقبله و يعتبره نكاح عادي، او نكاح المسيار او الجهاد بالشرق الاوسط. فالله سبحانه و تعالى ترك للمجتمعات حرية  تحديد وتنظيم جميع العلاقات في ما بينها كيف ما كان نوعها اجتماعية كانت او اقتصادية أو غيرها. فالمجتمعات   بتقدمها و وعيها هي التي شرعت قوانينها  سواء في  الانكحة  أو  غيرها ،ما ينفعها  تقبله أو ما يضرها ترفضه . فبالوعي والتحضر الذي وصله المجتمع، فقد ألغى نكاح الجواري و قطع دابر الرقيق و استبعاد الانسان. وليس بالفقه الذي على مر العصور لم يسجل لنا ولو مرة واحدة ان فقيها واحد نادى بإلغاء نظام الجواري أو على الاقل باعتبارهن زوجات كاملة الحقوق.

فالعقد الشرعي كما جاء بالكتب الفقهية: اتفاق و موافقة الطرفين و حضور الشهود. السؤال: هل نكاح الجواري كانت يتم بعقد شرعي..؟ علما ان اقتناء الجواري كما أوردته كتب السير، كان يتم اما مباشرة من السبي او بسوق النخاسة بالمزاد العلني .

ففقهنا  هذا اعتبر الجارية وولدها ملك لسيدها و مالكها ،هو الذي يقرر الحاق الولد به أم لا ، و هو الذي يقرر هل يحتفظ بالجارية ام يبيعها أم يهديها لمن أراد، بصرف النظر عن حملها او عدمه.

 فهو لم  يضع نكاحها  في خانة الزواج ( امساك بمعروف) البقرة 229، و لم يخضع تسريحها للطلاق الجاري به العمل و ما يترتب عليه من اثار( تسريح بإحسان) البقرة 229 (وأحصوا العدة) الطلاق 1( اسكنوهن من حيث سكنتم) الطلاق 6 (وان كن أولات احمال فأنفقهن حتى يضعن حملهن)الطلاق 6  .اذن  لم يعترف بها كامرأة كاملة الحقوق. فجميع الفقهاء ابتداء من الامام مالك اتفقوا على نكاح الجواري  و كرسوه و ابقوه خارج  دائرتي الزواج والزنى، كمنطقة  حرة معفاة  من الاداء و المراقبة للاستمتاع والفرار اليها من مسؤولية الزواج وعقوبة الزنى.. اذن  فنكاح الجواري ، زنى  مشرعن شرعنه هؤلاء الفقهاء لأنهم كلهم كانوا يتسرون بالجواري.

 

وللبحث بقية                                                  

                                                                                    

                                                        مصطفى بلحلومي