لا تقرأ هذه الأيام تدوينة او مقالة تتعرض لتشكيل الحكومة دون ان تجد نفسك امام عبارة المنهجية الديمقراطية، في معرض الدفاع عن رأي او موقف او في معرض تفنيدهما بحسب موقع المدون او الكاتب.

وليس خافيا على أي كان ان اتساع مجال تداول مفهوم من المفاهيم او عبارة من العبارات ليس يعني دائما وضوحهما في أذهان الجميع كتابا ومدونين وقراء في اغلب الأحيان. ذلك ان اختلاف مجال توظيفهما وغايته من شخص الى آخر يضفي عليهما مزيدا من الظلال اكثر مما يضعهما في بؤرة الاضواء كما هو مفترض.

وبطبيعة الحال، فان الظلال التي قد تبدو في البداية خفيفة، وربما شفافة ايضا، تنتهي في نهاية المطاف الى سجف من العتمة والظلام تحجب الرؤية تماما وتزج بالعبارة او المفهوم في دوائر اللامرئي واللامقروء واللامفهوم.

وقد أصبحت عبارة المنهجية الديمقراطية متداولة في الحقل السياسي المغربي بقوة في معرض إيجاد تعبير سياسي مكثف لما جرى خلال انتخابات عام 2002 حيث تم ابعاد الاستاذ عبد الرحمن اليوسفي عن منصب الوزير الاول رغم ان حزب الاتحاد الاشتراكي قد حاز المرتبة الاولى في الانتخابات التشريعية. وللتذكير فإن هذه العبارة جاءت للدلالة على وضع اعتبره اليوسفي والاتحاد سلبيا اي " الابتعاد او عدم الالتزام بالمنهجية الديمقراطية" لأن الاتحاد الاشتراكي كان يعتبر ان عدم تعيين الوزير الأول منه، وفي شخص كاتبه الاول حينئذ عبد الرحمن اليوسفي هو اجحاف في حقه وإجحاف في حق الديمقراطية المغربية.

ان عودة هذه العبارة الى التداول هذه الأيام وبقوة في جل الخطاب السياسي المغربي بما في ذلك الخطاب الذي لا يمكن اعتباره خطابا ديمقراطيا بالمعنى الحديث للعبارة، وبمناسبة المشاورات والمفاوضات الحزبية من اجل تشكيل الحكومة الجديدة، ان هذه العودة وفي هذا السياق الذي يعرف صعوبات في اخراج الحكومة الى حيّز الوجود تطرح السؤال الجوهري حول مضامينها ومدى اجرائيتها وشرعية توظيفها لفهم هذا الواقع الذي يعبر عنه بالبلوكاج.

وإذا كان التشبث بالمنهجية الديمقراطية أساسا ومبدأ عميقا لا ينبغي الحياد عنه أبدا، وقد تجلى الالتزام به بشكل دستوري واضح بمجرد ما عين الملك محمد السادس الاستاذ عبد الاله بنكيران رئيساً مكلفا بتشكيل حكومة ما بعد انتخابات السابع من اكتوبر الماضي، فإن الجدل الحقيقي قد انزاح من هذا المستوى الى مستوى آخر تماما، وهو محاولة بعض القوى السياسية الوازنة ومن يدور في فلكها او يؤيدها الى ضرورة التعامل مع هذا المبدأ المنهجي الديمقراطي كما لو كان قانونا عاما، في وقت ترى فيه قوى وازنة اخرى ان المبدأ تم تطبيقه بمجرد ما تم الإعلان عن اسم رئيس الحكومة المعين يوم الاثنين عاشر اكتوبر الماضي.

وينطلق هذا الموقف من تساؤل ضمني يكاد يكون صريحا وهو: هل يتحتم على الاحزاب السياسية المختلفة المؤثثة للحقل السياسي المغربي انطلاقا من هذه المنهجية الديمقراطية القبول بتشكيل الحكومة تحت رئاسة الاستاذ بنكيران وضمن الشروط التي يطرحها لتشكيلها؟ ام ان هذا ليس حتميا اذ يدخل ضمن احتمالات اعتمادالمنهجية الديمقراطية إياها عدم تمكنه من تشكيل اغلبية كافية لتحقيق هذه الغاية، لهذا السبب او ذاك من الأسباب التي ترتبط بأجندات وانتظارات الأحزاب المدعوة الى المشاركة فيها والتي تتخذ موقفها من المشاركة او عدم المشاركة من تقديرها السياسي للوضع وما يمكن ان ينتج عن موقفها النهائي من مكاسب او أضرار لأحزابها والقئات الاجتماعية التي تقدم نفسها على انها الناطقة باسمها بهذا الشكل او ذاك؟

واذا كان هذا الاحتمال واردا، فلماذا يتم التعامل معه من قبل رئيس الحكومة المعين وحزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه ومختلف القوى التي تؤيده، بهذا القدر او ذاك، كما لو كان مناقضا للمنهجية الديمقراطية؟ مع العلم ان هذا يعني اعتبار احتمال تشكيلها وفق تصور العدالة والتنمية ومن يؤيدون رؤيته الى الأشياء، هو وحده المتناغم مع المنهجية الديمقراطية!

ان المنهجية الديمقراطية في رأيي المتواضع هي التزام احكام الدستور المغربي واعتماد أساليب الحوار في التعاطي مع قضايا الاختلاف دون إقصاء او استئصال او تكفير لأي كان وانما مواجهة أفكاره عندما يعتبرها البعض خاطئة بالنقد والتفنيد الفكري والسياسي.

هذا من حيث المعنى العام اما في حالتنا الخاصة، فإنه ينبغي ترجمة نتائج انتخابات السابع أكتوبر الماضي الى ارض الواقع وهو ما يعني العمل على تسريع تشكيل الحكومة وتفعيل البرلمان كأولوية المرحلة وليس ممكنا انجاز المهمتين معا ما لم يتم التفاوض والبحث عن أرضيات مشتركة بين مختلف القوى السياسية التي ينبغي التعامل معها انطلاقا من تعامل القانون والدستور المغربي معها، دون زيادة او نقصان. اي باعتبارها قوى سياسية متنافسة او متصارعة، لكن تحت سقف الدستور والقانون وليس وفق احكام اخرى لا علاقة لها بهاتين المرجعيتين.

هذا التعامل هو وحده الكفيل بتجاوز ما سمي البلوكاج وليس دعوة هذه الجهة او تلك الى التدخل لفرض تصور على آخر، لأن المنهجية الديمقراطية منافية لذلك تماما، الا اذا كان البعض يرى ان التدخل لمصلحته الحزبية هو عين احترام المنهجية الديمقراطية وهذا متناقض تماما معها وافتراء عليها.