يكفي بعض التأمل في المشهد السياسي المغربي، منذ الحملة الانتخابية واستحقاق السابع من أكتوبر الماضي وخاصة في سياق ملابسات البحث عن تشكيل حكومة جديدة برئاسة الأستاذ عبد الاله بن كيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، لملاحظة ان هناك نوعا من التنافس غير المعتاد، والسباق الغريب بين عدد من الاحزاب السياسية المغربية حول لعب دور الضحية، تارة لقوى سياسية بعينها، وتارة اخرى لقوى خفية يتم التلميح اليها من طرف لا يكاد يكون خفيا.

ولقد تجاوز الأمر ما يقال عن المشجب الذي تعلق عليه كل سلبيات ممارسات هذه الأحزاب او تلك والتي كانت توفر لها بعض الاعذار للتستر على تلك السلبيات، الى مستوى تقديم نفسها باعتبارها ضحية ومستهدفة بشكل منهجي من قبل القوى التي تعتبرها نافذة في المجتمع والدولة حينا، ومن قبل كل القوى الاخرى التي لا تشاطرها التصور السياسي او نمط ممارسته جزئيا او كليا.

ولأن تلك القوى تدرك تماما ان الحديث عن القوى النافذة في الدولة والمجتمع يمكن ان يجد لدى شرائح اجتماعية معينة صدى ما، خاصة ان هناك ثقافة سياسية عامة تروج لمثل هذه الأفكار لتبرئة الذمة من كل الأخطاء والسلبيات، وهذا غير متاح عندما يتعلق الامر باتهام قوى سياسية لا تحتل الموقع النافذ لا على مستوى الدولة ولا على مستوى المجتمع استنادا الى منطوق الانتخابات التشريعية ونتائجها، فإنها تحاول الربط بين هذه القوى، بشكل تلقائي، بالقوى النافذة بحيث يتم اختزال دور الاحزاب السياسية المخالفة في وظيفة استهداف القوى التي تحاول تقديم نفسها بكونها موضوعا لكل المؤامرات وضحية منتقاة بعناية من قبل كل الخصوم الأقوياء والأقل قوة على حد سواء.

وفِي الواقع، فإن الضحية الحقيقية لا تحتاج الى لعب دور الضحية لأن واقعها الفعلي يدل عليها ويمكن لكل من يمتلك الحد الأدنى الضروري من الحس السليم، وينأى بنفسه عن المواقف المسبقة وأحكام القيمة، التعرف على هذا الواقع والتمييز بين الضحية وبين من يحاول ممارسة هذا الدور.

ينطلق كل من يحاول تقمص دور الضحية في المجال السياسي الذي يهمنا هنا من بعض المسبقات التي يتعامل معها كما لو انها مسلمات لا يجد اليها الشك طريقا ومنها:

اولا، كون الضحية دائما موضوعا لتعاطف أوسع فئات المجتمع لأن هذا الأخير ينزع، بشكل شبه تلقائي، الى رفض الظلم ايا كانت مظاهره ومصادره، ويرى ان اضعف الإيمان هو التعاطف مع المظلوم حتى مع ادراكه ان هذا التعاطف قد لا يغير من الواقع الكثير. لذلك يرى لاعب دور الضحية ان عليه إتقان هذا الدور حتى ينال اكبر قدر من التعاطف يمكنه من تعزيز مواقف سياسية يعجز منطق السياسة الواقعي والعقلاني بل والديمقراطي عن دعمها من خلال منحها قوة الاقناع الضرورية. كما ان الغاية منه قد تتجاوز ذلك الى تمرير وفرض تلك المواقف على بقية مكونات المشهد السياسي خاصة اذا اعتبرت ان مواجهة من يلعب دور الضحية بالحقائق الدامغة وعدم الخضوع الى بعض من ابتزازه قد يكون سببا في اختلالات سياسية او اجتماعية ضمن ظرفية سياسية واجتماعية شديدة الحساسية لكل ما يمكن ان يطلق شرارة تلك الاختلالات.

ثانيا، الاعتقاد بان إتقان ممارسة دور الضحية يؤدي على الدوام الى نتائج مرضية للقوى الممارسة له لأنه يحشر الخصوم في زاوية القبول بالمطالب المعلنة او المضمرة لتلك القوى او تحمل مسؤولية الاتهامات الموجهة اليها في هذا المجال.

غير ان هؤلاء ينسون امرين أساسيين هما:

اولا، ان الواقع عادة ما يضع الحدود الفاصلة بين الضحية ومن يمارس دورها. وهي حدود ما بين الواقع والخيال، حتى ولو كان صاحب الدور بارعا في تقمص دوره ومهما كانت التقنيات التي يوظفها لبلوغ غايته التي تتلخص في الإيحاء بأنه ضحية بالفعل وليس بالافتراض.

ثانيا، انه لا وجود لأي علاقة سببية بين لعب دور الضحية وبين نتائج سياسية او اجتماعية بعينها في كل زمان ومكان. بل ان العكس تماما هو الذي قد يحصل في المجال السياسي لا سيما عندما تستطيع مختلف القوى التي يراد إخضاعها بواسطة خطاب المظلومية تفكيك مضامين هذا الخطاب وكشف بعده الابتزازي امام المجتمع. اذ ان الجواب المنطقي والواقعي الوحيد هو عدم الخضوع لذلك المنطق الذي يقلب الحقائق ويجرم ما ليس قابلا للتجريم كما رأينا في المدة الأخيرة من قبل بعض القوى التي يبدو انها لا تعرف أي سقف او حدود في مجال ممارسة دور الضحية واعتباره سلاحا هجوميا فعالا على الخصوم السياسيين.

وقد بلغ الأمر بمن يحاولون تقمص دور الضحية لما بعد استحقاقات السابع من اكتوبر الماضي وفِي معرض تعثر المساعي الى تشكيل الحكومة الى اعتبار كل تنسيق بين الاحزاب السياسية الممثلة داخل البرلمان شبهة او حتى تلبسا باقتراف جريمة الانقلاب على الديمقراطية في بلادنا. غير ان كل الاجتماعات ومحاولات التنسيق مع تلك القوى إياها لا يدخل ضمن اي انقلاب على الديمقراطية متى أمسكت القوى اللاعبة لدور الضحية ناصيته من الفه الى يائه. كما ان كل انتقاد يوجه الى البعض بخصوص موقف او ممارسة سياسية، ليس الا التمهيد لما هو أشنع وأبشع، في حين ان اتهاماته بكل الجرائم الافتراضية للغير ليس الا من باب ممارسة موقف الاستقلال ورفض التبعية.

فهل لم يحن بعد أوان تطبيع الممارسة السياسية المغربية على قاعدة الديمقراطية ومتطلباتها والتي منها الندية في التعامل بين الأحزاب السياسية ونبذ اُسلوب التحايل غير الديمقراطي المقترن بزعم التفاني في خدمة الديمقراطية ومنهجيتها؟

ولعل القطع مع اُسلوب لعب دور الضحية على ما يبدو عليه من تواضع من اهم الخطوات بهذا الاتجاه حيث يكون الصراع السياسي قابلا للقراءة الواقعية بين أحزاب متساوية الحقوق والواجبات دستوريا وقانونيا وليس بين احزاب بعضها يكاد ينطلق من مواقع العصمة وينظر الى غيرها بنظرة لا تخرجها من دائرة الضلال السياسي